حيوانات المذود، ـ كما ما زلنا نشاهد حتى الآن في المسرحيات الكنسية والمدرسية الساذجة. وإذا كان الميلاد قد أثر في المسرحية الانكليزية مدى قرون قبل شكسبير فإن تأثره لم ينقض بنشأة المسرحية الحديثة بل بالأحرى قد ازداد. وها نظرة واحدة إلى قوائم يكتب الأدب المختلفة التي تظهر بين حين وحين، لا تحتاج إلا إلى قلم لتحصي كم مسرحية ميلادية ذات قيمة ظهرت في الأدب الانكليزي منذ عصر فيكتوريا إلى قبل هذه الحرب، وستجد أن العدد سيقفز فوق المائة.
أما في الرواية والقصة القصيرة فما قصر الأدب: انظر إلى كل عدد من أعداد الميلاد في مجلات أوروبا وأمريكا، وفي بعض مجلاتنا أحياناً، فإنك واجد قصة تختص بالميلاد، أو عُد لكتب الأدب، واقرأ عدة أقاصيص لديكنس، أحد زعماء القصة في الأدب الانكليزي، ومن بينها طرفته «أنشودة الميلاد». أو اقرأ أقاصيص ثاكري الميلادية، أو أقاصيص ماكس بيربوم، أو سواهم من أدباء الإنكليز، بغض النظر عن قصاصي الآداب الأخرى. وستجد فيها إلى جانب التسلية والمتعة نواحي روحية، فقد أدرك القصاصون مغزى الميلاد، فضربوا فيها كتبوا على وتر الشفقة والرحمة والحنو والسذاجة وتمجيد الفقر.
وكذا أيضاً في الشعر: عد ثانية إلى القوائم، وستجد في الشعر الانكليزي وحده، والأدب الانكليزي متأثر بالروحيات والدينيات أكثر من سواه، قصائد ميلادية يصعب حصرها، فإذا ما انتقيت منها ما كان ذا قيمة أدبية وجدتها حتى مطلع هذا القرن لا تقل عن الأربعمائة عدداً، ووجدت مواضيعها متشعبة، تبحث في الميلاد، وفي بيت لحم، والملائكة، والأناشيد، والنجم، والأطفال، والأجراس، والشموع، وألعاب الأطفال، وكعك العيد، والطبول، والمعايدات، والمواقد،
وطعام العيد المخصص، والضيوف، والحفلات، والعظات، وفي شجرة العيد، وذكرياته، والأحلام التي تعمر بها ضمائرنا يوم يجيء. ولوجدت أيضاً أن هذه المواضيع التي قيل فيها الشعر الكثير تحتفظ غالباً بطابع الجدّة، خاصة حين ينشدها كبار الشعراء، مثل ملتون، وهل هناك ما يبلغ القمة الشعرية إذا لم تكن قصيدته «نشيد عن مولد المسيح» بينها، ووردسورث، وتينسون، وروزيتي، وسوينبرن، وكولريدج، وكيبلينغ، وبراوننج، وسكوت، وستيفنسون، وموريس، وهريك، وسواهم كثير.
وقد تفنّن الشعر الانكليزي الحديث والمعاصر بعرض الميلاد وما يتعلق به تفنّناً يستحق الإعجاب، ومما يلاحظ أن أكثر الشعراء المحدثين تعرّضاً لذلك هم من النساء، رغم تقصير المرأة في حلبة الشعر. وفي شعرهن هذا سلاسة في التعبير وبساطة في المعنى واهتمام بالحنان والرحمة وإظهار لروح الأمومة الصحيحة وإطاعة الأطفال لأمهاتهم، شأن يسوع ومريم، وفيه أيضاً مغازٍ روحية وفكرية يستخلصها من الحادث، ويكوّن لكل قصيدة كياناً مستقلاً فريداً.
أما أدبنا العربي، ويحيي على أدبنا العربي، فلم تقم بينه وبين الميلاد عاطفة حب أو صداقة بعد، وأن يكن قد
عُرف عليه. ولقد كان باستطاعة فلسطين، التي فيها كان الميلاد وكل ما تلا الميلاد من أحداث هي أعظم أحداث الكون طراً، أن تستفيد منها في أدبها كما تستفيد الأمم من أحداثها، لكنها لعوامل معينة قصرت عن ذلك وظلت مقصرة في عالم الثقافة والفن. على أننا لا نعدم بعض القطع الميلادية في أدبنا، فبالإضافة إلى العظات والترانيم الروحية، وبعض هذه مترجم، نجد ترجمات لكثير من القصص وخاصة الدينية، ونجد قصائد لبعض رجال الدين، ونجد مقطوعات حلوة لجبران، ونجد قصيدة شوقي في الميلاد ووصفه الجبل للرفق الذي ولد مع يسوع، ونجد قصيدة للشاعر القروي يعطي فيها تحليلاً مبتكراً لسر الميلاد، ـ لكن هذا كله لا يكوّن باباً أدبياً مستقلاً في أدبنا.
لم يكن الميلاد حدثاً مرّ ساعة وانقضى، وإلا فلما كان له وللأدب هذا الشأن. إنه كان حدثاً يتقرر مغزاه كل عام وأكثر من مرة كل عام. وباب أدب الميلاد ما زال مفتوحاً كما سيظل، وسيضاف إليه الكثير سنة بعد سنة. ولعل هذا العيد لا يمضي بدون أن يشهد لقاءً جديداً بين هذين المحبّين، الأدب والميلاد، ـ وأي محبين لا يظل ذكراهما أبداً يجمع بينهما ولو تفرّقا؟!

