للعرب في آدابهم القديمة مادة قصصية حرية بالدرس والمطالعة، قسمها الباحثون كلٌ حسب هواه، وإني أقسمها كما يلي: القصص الإخباري، والقصص البطولي، والقصص الديني، والقصص اللغوي، والقصص الفلسفي. وهذه الألوان القصصية تدخل كلها تحت القصص العربي الصميم. أما في القصص الدخيل أو القصص المقتبس فللعرب أثران قصصيان أدبيّان فيها مادة خصبة لروّاد القصة ومتذوقيها أعني بها ألف ليلة وليلة وكليلة ودمنة.
ولا نقصد، في مقالنا هذا، أن نتوسع في شرح أي لون من هذه الألوان القصصية بل أن نتناول القصص الديني. نلم إلمامة سريعة بالقصص الديني ثم نرسم صورة للسيد المسيح كما يبدو في هذا القصص.
عنينا بالقصص الديني كل حكاية كان موضوعها الأساسي الدين، والرسل والأنبياء. ولقد تناول بعض الأدباء في العصر العباسي حياة هؤلاء الرسل والأنبياء بالدرس فسردوا تاريخهم بأسلوبهم القصصي الخاص فكان لنا كتابان قصصيان قيمان هما: كتاب العرائس للثعالبي (427 هـ أو 437؟) وكتاب قصص الأنبياء للكسائي (القرن الخامس هجري).
وتسمّي لنا المصادر العربية بعض الكتب القصصية الدينية غير التي ذكرنا كقصة أهل الكهف وقصة شمشون النبي للنيسابوري وقصة سيدنا عيسى وأمه مريم وقصة سيدنا موسى الكليم ابن عمران وقصة سيدنا يعقوب ابن سيدنا إبراهيم وقصة سيدنا يوسف الصديق. ولكن أكثر هذه الحكايات لم يصلنا إما لأنه لم ينشر وإما لأنه مفقود. على أن أعظم هذه الكتب القصصية الدينية وأطولها وألصقها بالفن القصصي الديني هما كتاب الثعالبي وكتاب الكسائي.
فلقد تناول فيها المؤلفان حياة جميع
الأنبياء الذين ورد ذكرهم في القرآن الكريم وعليها اعتمدنا في رسم هذه الصورة للسيد المسيح.
يجب أن نبادر إلى القول أن عيسى القصاص هو غير عيسى الإنجيل لأن أمه مريم دامت مدة حبلها به ثمانية أشهر على قول البعض، وستة أشهر على قول البعض الآخر وثلاث ساعات أو ساعة واحدة على قول البعض الثالث.
ويولد عيسى من غير أب إذ ينفخ الملاك جبرائيل في جيب درع مريم. وولادة عيسى كانت حدثاً تاريخياً عظيماً أقام الشياطين وأقعدهم. فعقدوا الاجتماع تلو الاجتماع وتشاوروا مع إبليس «وهو على عرشه في لجّة خضراء»، وأخبروه أن أمراً عظيماً حلّ بالأصنام فنكّس رؤوسها إلى الأرض. وهمّ إبليس أن يكتشف الأمر فطار «وأحصى الأرض كلها في ثلاث ساعات، مشرقها ومغربها، برّها وبحرها، والخافقين والجو»، حتى مرّ بالمكان الذي ولد فيه عيسى وإذا به يجده محاطاً بالملائكة، يسهرون عليه من كل حدب وصوب، فرجع خائباً وأخبر جماعته بالأمر قائلاً: «ما اشتمل رحم أنثى على ولد إلا بعلمي، ولا وضعته إلا وأنا حاضرها. وما كان نبي أشد عليّ وعليكم من هذا المولود.»
ويشاء القصاص أن يذهب عيسى إلى الكتاب ليتعلم، وكان عمره تسعة أشهر، فإذا بالمؤدّب يسأله أن يقول: باسم الله الرحمن الرحيم، وإذ بعيسى يردد هذه الجملة كلمة كلمة. ويتشجع المؤدّب ويسأله أن يقول «أبجد» فيرفع عيسى رأسه
ويقول لأستاذه: «هل تدري ما أبجد؟» ولما لم يستطع المؤدّب أن يعرف الجواب الصحيح، أخذ عيسى يشرح له معنى أبجد هوّز حطّي سعفص قرشت شرحاً فيه الشيء الكثير من الطرافة وفيه، فوق ذلك، الكثير من سذاجة القصاص وفقرهم إلى التمحيص العلمي التاريخي.
عجائب السيد المسيح
لقد قال القرآن الكريم بعجائب المسيح أو ببعضها كما جاءت في الأناجيل (1) فلمَ لا يقول بذلك رواة هذا القصص الديني، وهو إنما وضع في الأصل لشرح القرآن؟ بل لماذا لا يعمدون إلى أكثر من ذلك فينسبوا إلى السيد المسيح عجائب ومعجزات غير مذكورة، لا في الأناجيل ولا في القرآن. من ذلك أن عيسى استطاع أن يعرف صفات ابن أحد الملوك قبل أن يُولد فقال لأبيه: «إن في بطن زوجتك غلاماً جميلاً، إحدى أذنيه أطول من الأخرى، وعلى صدره خال أسود، وعلى بطنه شامة بيضاء ... الخ ...»
وهو يستطيع أن يحوّل ألوان الأصباغ ساعة يشاء إلى ما يشاء ... كالسحرة تماماً!!.
وتصديقاً إلى أنه يحيي من الموت فلقد أحيا سام بن نوح فوثب من قبره، وكان قد مضى على موته أربعة آلاف سنة!! ولقد تكلم سام بعد قيامه من الموت
(1) القرآن - سورة آل عمران آية 28 و 29 و 40. سورة المائدة آية 109. سورة الزخرف آية 62 و 63.

