وقال : « لما سمعت صيحة عيسى ظننت أنها صيحة القيامة فأبيضت رأسي ولحيتي من هولها . »
وهذه المعجزات مقتبسة ، في اكثرها ، عن الاناجيل ، او عن الرواة اليهود الذين أسلموا ، ولهم إلمام بالدين المسيحي واليهودي ، وفي بعض هذه المعجزات كمعجزة اقامة لعازر من القبر شبه كبير في سردها ، برواية الانجيل مما يدل دلالة واضحة على وجود الاقتباس ولكن بصورة مشوهة . وبالاختصار فالمسيح في القصص الديني العربي يجترح العجائب ، صغيرها وكبيرها ، فهو يخلق الطير من الطين ويبريء الأكمه والابرص ، ويشفي العمي ويحيي الموتى ، ويعلم الغيب ، ويخبر الناس بما يأكلون وما يشربون وما يدخرون في بيوتهم ، ويمشي على الماء . يفعل كل ذلك بأمر من الله وبأذن منه : « يروى ان عيسى خرج في بعض سياحته ، ومعه رجل من اصحابه قصير . وكان كثير اللزوم لعيسى ، فلما انتهى عيسى الى البحر قال : باسم الله ، بصحة ويقين ، فمشى على وجه الماء . فداخله ( اي الرجل ) العجب فقال : هذا عيسى روح الله يمشي على الماء ! وأنا امشي على الماء . قال : فانغمس في الماء فاستغاث بعيسى فتناوله عيسى من الماء وأخرجه وقال له : ما قلت يا قصير ؟ فأخبره بما خامر خاطره . فقال عيسى : لقد وضعت نفسك في غير الموضع الذي وضعك الله فيه . فمقتك الله على ما قلت فتب الى الله ما قلت . فتاب الرجل وعاد الى مرتبته التي وضعه الله فيها . » فهذه الرواية ليست سوى صدى لما جاء في انجيل متى في الاصحاح الرابع عشر ، عندما اضطرب تلاميذ السيد المسيح لما ابصروه ماشياً على وجه الماء فقالوا انه خيال ومن خوفهم صرخوا فكلمهم يسوع وهدأ روعهم قائلاً : أنا هو لا تخافوا . واراد
بطرس ان يتحقق منه فقال : يا سيد أن كنت انت فمرني ان آتي اليك على الماء ، وذهب ليأتي الى يسوع ، ولكنه لما رأى الريح شديدة خاف فابتدأ يغرق فصرخ قائلاً : يا رب نجني . ففي الحال مدّ يسوع يده وأمسك به وقال له : يا قليل الايمان لماذا شككت ؟
والذي يظهر بارزاً في هذه المعجزة ، وهو الذي دفع القصاص على تدوينها ، في زعمي ، هو عنصر الشك الذي ، بمجرد تسربه الى ضمير المؤمن يفسد ايمانه . نقول ذلك بعد ان نقرأ لواضعي هذا القصص مثل هذا الحديث عن النبي العربي الكريم . قيل :
« حدثنا ابومنصور الحشاوي بأسناده الامام ، عن معان بن جبل ، أن رسول الله صلعم قال : لو عرفتم الله حق معرفته لعلمتم العلم الذي ليس بعده جهل . وما بلغ ذلك أحد قط . قالوا ولا انت يا رسول الله ؟ قال : ولا أنا . قالوا : يا رسول الله قد بلغنا ان عيسى بن مريم مشى على الماء . قال نعم ولو ازداد خوفاً ويقيناً لمشى على الهواء . قالوا : يا رسول الله ما كنا نرى ان الرسل تقصّر فقال : ان الله تعالى أبلغ شأناً من أن يبلغ أحد شأنه . »
والحقيقة ان عيسى في هذا القصص الديني فيه من كل شيء ، فيه من لون الانجيل وفيه من لون القرآن وفيه ، فوق هذا وذاك ، من لون القصاص الذين أغرموا بكل غريب طريف وكل اسطورة وخرافة . لأنك بينما ترى خبراً من اخبار السيد المسيح ، يُسرّد كما هو معروف في الانجيل ، يدلّ على حنو المسيح ومحبته للبشر وعطفه الشديد عليهم ، إذ بك تقرأ أنه يقوم بغزوة يغزو بها بني اسرائيل ويقتل منهم خلقاً كثيراً .
وعيسى ألبسه الله الهبية وأعطاه ما
رجاه وطهره ورفعه اليه وكساه الريش وألبسه النور وقطع منه شهوة المطعم والمشرب ، فهو يطير مع الملائكة حول العرش لانه انسي وملكي ، وأرضي وسماوي .
وعيسى هو كلمة الله « لان الله قال له ، من غير آب ، كن فكان ، فوقع عليه اسم الكلمة لانه بها وُجد . »
وأراد القصاص ان يزيدوا من هبة المسيح وتكريمه فجاءوا بأحاديث نسبوها الى النبي العربي تؤيد نظريتهم . قالوا : حدث الحسين بن أحمد بن محمد بن علي باسناده عن ابن العباس قال : قال رسول الله صلعم : « كيف يهلك الله أمة أنا في أولها وعيسى في آخرها ، والمهدي من اهل بيتي في وسطها ؟ » وقيل : « أخبر محمد بن القاسم الفارسي باسناده عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلعم : اذا أهبط الله المسيح عيسى يعيش في هذه الامة ما يعيش ثم يموت في مدينتي هذه ، ويدفن الى جانب قبر عمر . فطوبى لأبي بكر وعمر يحشدان بين نبيين . »
وأيضاً :
« أخبرنا أبو صالح شعيب ... قال رسول الله صلعم : الانبياء اخوة لعلاّت امهاتهم شتى ، ودينهم واحد ، واني اولى الناس بعيسى بن مريم عليها السلام لانه لم يكن بيني وبينه نبي . ويوشك ان ينزل فيكم ابن مريم حكماً عدلاً وانه نازل على أمتي وخليفتي عليهم ... فأنه يقاتل الناس على الاسلام حتى يهلك في زمانه الملل كلها غير الاسلام وتكون السجدة واحدة لله رب العالمين ويهلك الله في زمانه مسيح الضلالة ، الكذاب الدجال ، وتقع الآمنة في الارض حتى ترتع الاسود مع الأبل والنمور مع البقر والذئاب مع الغنم ،
