تناثر البشر والبهجة في مطلع ذلك اليوم ، وردت الوجوه الصغيرة بسمة مقابل بسمة وبريق عين مقابل بريق عين . جال الآباء والامهات وقد اكتست وجوههم حلاوة جديدة واختفى كثير من الهم والتجعد وتضائل كثير ، ولم تمالك الايدي الخشنة ان تضم برفق نابض الايدي البضة الدافئة التي كانت تتعلق بيد اب او اخ اكبر .
وكانما المدينة بأسرها ، ومن ورائها وامامها الجبل والساحل ، ومن فوقها الفضاء البعيد والابعد ، كانت تنبض وتحس ، وتلفحها شمس خيّرة فتسقيها جرعات من الدفء والحب وتكحّل عينيها بالازاهير المبهجة الرشيقة ، وتعطر انفاسها بفيض من الحلاوة الثملى .
كان يوماً مليئاً بالتوقع والبلوغ : كان يوم العيد .
الشوارع مزدحمة بسيل من ابناء العيد ، كأن ينبوعاً جباراً من الحياة كان يبعث بدفقات متواصلة من الكائنات المشرقة المغتبطة ، يشع المرح من وجوهها ، ويخفق في افئدتها ، ويرتعش في اقدامها الخفيفة انسجاماً لا هو بالرقص ولا هو بالمشي البشري . ولعل المدينة تناست احزانها في ذلك النهار الصبوح ، ولم تحتفظ بزوايا ظليلة مظلمة تليق ان يقع الألم والبؤس فيها ، بل لعل التعاسة نفسها خرجت من عتمة انكماشها وتمشّت في الشوارع الملوّحة بحرارة الشمس ، وابتلعت انفاساً طويلة من عبق الدفء والحلاوة والجمال .
الوجوه الصغيرة لا تزال تبتسم ،
والعيون البريئة تبرق بما هو أعف من طموح الغد واكثر نورانية من الاحلام : كانت تعيش الطفولة ، تعيش الساعة ، تودع يداً آمنة في كف اب حنو وترسم بالاخرى دواء وخطوطاً في الهواء حيناً وتطمئن الى هدايا العيد في البيوت حيناً آخر ، والوجوه الملتفتة الى فوق راقها ان ترى وليّ نعمتها يغمرها بثقة وحماية فانحنت الى اسفل تداعب بنظراتها المعجبة بدلة جديدة او حذاء لا يزال يئنّ في جدته وقساوته .
■
وجه من تلك الوجوه كان يشرق كغيره في ذلك الصبح الهانيء ، راضياً عن العيد واليد الكبيرة التي كانت تحتاط انامله ، وعن اناقة العيد بقدر ما كان نصيبه منها . كانا يسيران بين الالوف ، اب وابنه ، كل فرد من تلك الالوف عالم منفرد ، واعياً او غير ذلك ، وان تكن تسيّرهم جميعاً حمى واحدة ، حتى ليبدو لغيبة عابرة - لو اتيح لها ان تسيء الى يوم العيد فتسبح فوق المدينة - ان تلك الالوف كائن واحد لا يبخل على السماء التي تظله بتيار اثر تيار من اشعاع الحب الواحد .
لكن صغيرنا « وسيم » لم يكن له ان يعبث ويقامر بساعات العيد القليلة في هواجس فلسفية ، بعد ان كاد الليل يغلبه على امره فيسليه بدلة العيد .
وبدلة العيد التي يرتديها وسيم ليست كباقي مثيلاتها ، فهي الاولى التي فُصّلت على قياسه ولم يشترها له والده جاهزة : كانت تاريخاً فاصلاً في حياته فانها منحته شعور الرجولة والجدارة . ألم يذهب برفقة
ابيه الى تاجر الاقمشة ، فيختار كل منها لنفسه اللون الذي يفضّل ويحمل كل منها قطعة القماش الى الخياط : نفس الخياط ؟ ألم ينظر اليه الخياط باسماً وفي عينيه شيء من التهنئة الصامتة - لانه صار جديراً بان تعمل يد الخياط في ابعاده قياساً . لم يفت « وسيم » ان يلاحظ كل هذه المراحل بشيء من الفخر : أن يؤخذ رأيه في اختيار بدلة جاهزة شيء ، وان تخاط البدلة على قياسه شيء آخر . وطاب لكبريائه البريئة ان يكون جديراً بان يشتري ثيابه من تاجر ابيه وخياطه ، ولو اختار له ابوه تاجراً وخياطاً آخرين لكانت الصورة شوّهت ، ولساء انسجامها .
بدلة على القياس عملت فيها يد الخياط خلقاً فحوّلته من قطعة قماش ميتة مترهلة ، قطعة قماش متناسبة نقيسها طولاً وعرضاً ، اولية الابعاد ، نلقي بها على الرف فتستكين ولا ترفس برجل او تدفع بيد ، ونقطع منها اشباراً وامتاراً فلا هي تغدو مسوخة ولا هي تتمرد : بدلة على القياس تراها تنمو امام بصرك ، ترى انبساطها يتحول الى امتلاء فسمنة ، واستلقاءها الى كياسة ، وانزواءها الى كيان وحيثية : بدلة على القياس هي شيء غير البدلة الجاهزة ، تراها تتأرجح بلا مبالاة الرعاع وسط العشرات من اخواتها ، يتناولها التاجر بعصا ذات سنارة ويطرحها امامك على المائدة لتقول كلمتك فيها ، وتكاد تحبها الى ان تكتشف انها ذات رقم يفرض فيه ان يرمز الى حجم وطول معينين فتكاد تشتمها لولا انك سئمت البدلة القديمة التي تكسوك ، ولا بد من شراء اخرى جديدة . وان لم ترض بها اعادها التاجر الى علاقتها ورفعها الى مكانها فعادت تتأرجح ...
اما هذه البدلة فهي تحدثك ، لانها بدلة على القياس . تلمس ازرارها فيخبرك كل منها ان « نعوم » الخياط انتقاها ثم عيّن مراكزها ثم ثبتها هناك ، وتمتحن طول [...]