الكمّ بان تطوي ذراعك فتسمعه يخبرك ان نهاية الكمّ ينبغي ان لا تتعدى عظمة المعصم.
وللبدلة المخاطة على القياس مزاج ورغائب. فانك لا تستطيع ان ترمي بها في قعر الخزانة او على الكرسيّ دون مبالاة، كما تفعل بالبدلة الجاهزة. حينما احضرها «وسيم» من مشغل الخياط لم يكن ليكنه هذه الفروقات في الطبائع وأنّ لبدلته الجديدة شخصية لا يستطيع جهلها او تجاهلها.
احضرها قبل العيد بيومين اثنين ووضعها في الخزانة، كما كان يضع سائر بدله الجديدة في الماضي، وذهب الى الحديقة. ثم آب الى البيت في موعد العشاء وتناول طعامه، ولم يفته - قبل ان اندسّ في فراشه - ان يفتح الخزانة ويلقي نظرة على البدلة، وفي لحظات قليلة كان في سريره يُسلم جفنيه لسبات هنيء.
ومن هنا بدأ يكتشف ان للبدلة هذه مزاجاً وشخصية. جاءت اليه ببطء معتز: نظيفة، حديثة الكيّ، براقة الازرار، منتفخة الصدر. جاءت وفي وجهها عتاب، ولكنها كانت صامتة، تمنعها كبرياؤها عن الكلام. ثم جلست قبالته في كرسيّ هزاز وصارت تهزّه برفق، وظلت كذلك حتى الصباح فانسحبت من الكرسيّ وعادت الى الخزانة قبل ان استيقظ وسيم بثوان.
وعبثاً حاول وسيم في الصباح ان يفهم سرّ عبثها، فانها لم تفصح. نظر اليها بتقدير واعجاب فلم تبتسم في رضى ولم تزور عبوساً في عدم اكتفاء. والهته مشاغل ذلك النهار واستعدادات العيد عن البدلة فمن حلويات العيد الى الزهور الى وليمة العيد: كلها جعلت من ذلك اليوم الطويل شيئاً ممكن الاحتمال.
وعبس الليل مرة اخرى والقى وسيم برأسه المليء بالتوقع والامل على الوسادة فلم تمهله اشباح الظلمة الا قليلاً قبل ان
تعبر به عتبة الوعي الى عالم الاحلام.
لم تأت البدلة سريعاً اليه كالليلة السابقة ولم يكن قدومها واضحاً، وإذ لم يكن بعد قد اكتشف ان لها مزاجاً وشخصية، فقد فاته ان يتقصّ اسباب تخلفها. وفيما هو يعيث بعالمه المبهم فتحت الخزانة، وفي لحظة كانت البدلة في الكرسي المجاور لسريره وبقربها على ساعد الكرسي قميصه الجديد وكيس من الحلوى ومحفظة جيب صغيرة تضم هدية العيد النقدية.
ظلت البدلة هادئة في الكرسي صامتة، محتفظة بكبريائها دون عجرفة وبأناقتها دون تصنّع، وكانت تنظر الى الباب كأنما يتنازعها عامل الولاء أن ظلي حيث انت قريبة ممّن اصطفاك، وعامل التمرد واليأس أن اتركي هذا البيت دون تردد او تريّث.
عندئذ انقشعت غشاوة الجهل عن ادراك وسيم فاتجه بسرعة وتصميم صوب البدلة ورفع نفسه مستنداً الى كوعيه وقال
لها راجياً بحرارة واخلاص ان لا تبتعدي عني بل ظلي الى جواري، وكمن اضاء الرجاء كيانه يخط من النور ابتسمت هي وامتدت يد سحرية فمسحت البؤس من على جبينها واجابت «أنت حقاً ترغب في ان اظلّ الى قربك، اتحني يا وسيم؟» فمد يده برفق واحتضن يدها ولامسها بعطف وحب، ثم امال بخده عليها واستلقى في سريره.
ولما دهمه الصباح كان خده مستلقياً على الوسادة باطمئنان وكمّ البدلة الجديدة بين خده والوسادة وانامله تلمس ازرار الكم مداعبة مغتبطة.
وبعد ذلك بساعات قليلة، حين كان يتنزه في المدينة ويده في يد والده كان قد اكتشف ان للبدلة المصنوعة على القياس مزاجاً وشخصية، ومن اجل ذلك لم ينقطع عن التحدث اليها وعلى شفتيه بسمة وفي عينيه حرارة ودمعة.
وابتسمت السماء من علٍ.

