لست أراني قادراً على تفضيل رائعة على رائعة، فقد تمتاز رائعة بميزة او ميزات وتنقصها سواها. وهذا يظهر لك واضحاً لو بسطت امامك في معرض جميع اللوحات التي تعتبر روائع وتأملتها واحدة بعد واحدة.
فمن النادر جداً ان تستوفي الرائعة الواحدة شروط الكمال بأسرها لأن الكمال قمة عالية لا يبلغ الى ذروتها احد. فلا الخطوط ولا الالوان ولا الكلام ولا الالحان تستطيع ان توصل النفس الى اكتناه الجمال اللامتناهي.
خلف الانسان ما استطاع من الروائع في انتاجه الفني، ولكل جيل روائعه، ولكل مدرسة روائعها، ولكل نزعة روائعها. وكثيرة هي الروائع التي أحبها في كل جيل وكل مدرسة وكل نزعة ولا سيما في النزعتين التقريرية والتأثرية. والاركان التي يوجب الفن ان تكون مجموعة في لوحة حتى تعتبر من الروائع هي ثلاثة: متانة الرسم وبهاء التركيب واجادة التلوين. فالركن الاول يقوم بإظهار الشكل بشتى حالاته ظهوراً يأتلف والحقيقة ائتلافاً واضحاً متناسباً. والركن الثاني هو ترتيب الخطوط المتنوعة والاشكال المتباينة المتنافرة ترتيباً تصبح فيه منظمة متشابكة بإلتواء، متعانقة بارتياح وكل ذلك بنموذج خلاب. والركن الثالث هو المقدرة على ترجمة الاحساسات بروعة الطبيعة من التأثرات النفسية الحاصلة عن تلك الاحساسات تعبيراً تتزاوج فيه الالوان المختلفة تزاوجاً حسناً يروق للعين.
فقد تكون متانة الرسم في رائعة أحب ما فيها اليّ وقد يكون بهاء التركيب في رائعة اخرى احب ما فيها اليّ ولقد اجد الرسم ركيكاً والتركيب متوسطاً في رائعة غير ان الالوان فيها لها حيويتها ولها موسيقاها وتكون اذ ذاك الالوان أحب ما فيها اليّ.
فمن الفنانين من تفوقوا كل التفوق في الركن الاول والثاني مثل ميكال انجلو وكوستاف دوره، ومن الفنانين من ادهشوا العالم في بهاء التركيب واجادوا التلوين وأثر ذلك في لوحات تيسيان الايطالي وموريللو الاسباني، ومن الفنانين من ارادوا ان يجمعوا التلوين الرائع مع متانة الرسم فاعطوا نتائج اولى فن الرسم فقط كما تبين ذلك في رسوم انغر ودافيد، وآخرون لم يكونوا على شيء من المهارة في الرسم والتركيب غير انهم قد انقادوا بفطرتهم الى حسن التلوين وذوقوا منتوجاتهم بمسحة اجمالية من الوان مفرحة تبهج النظر كمنتوجات بهزاد ومعاصريه في الفن الفارسي.
ما سلف من الكلام يدل على صعوبة التفضيل، فبينما انا افضل
في بدء عصر النهضة رائعة شد ما اعجبت بها وهي على ما يبين لي الآن «أحب الروائع الفنية اليّ» من ذلك العصر وبعض العصور التي تلته وهي ميلاد الزهرة ربة الجمال للمصور بوتيتشلي.
أحببت فيها كل شيء: الجرأة والتجديد اللذين بلغا عند بوتيتشلي حدوداً لم يبلغاها فيما بعد عند اي فنان رغم تقدم الفن. لقد بلغ بوتيتشلي في تصويره ربة الزهرة النقطة الحساسة للجمال العلوي. عزفه
بوتيتشلي على اوتار من الخطوط الزخرفية فترك للآذان اوهاماً، يخيل كلما نظرت العيون الى رأسها الوديع، ان نغماً موسيقياً يرن في الذهن آتياً من تموجات شعرها المذهب، المتطاير من جهة كألسنة النار الملتهبة على قبر الجندي المجهول، والملتف بخجل ودهاء على العنق والكتف من جهة اخرى كحبة الفردوس. لا اظن ان يداً بشرية استطاعت ان تبدع مثله. جيدها الطويل كالجيد المشرأب تتطاوع معه خطوط الوجنتين حتى وسط الجبين النير المستدير المنحني لروعة التركيب! لها عينان تنبآن عن الكآبة مع انها تبتسم. عينان حائرتان ترسلان النظرات على غير هدى وكأنها عالمة بما تحلم وحالمة بما لا تعلم. ولها فم توشك ان تدفعه انفعالات الصبي ان يتمم «بلا ونعم» في وقت واحد. لها وجنتان مستطيلتان شاحبتان لا لون فيها للغرام ولا للانتقام يتغلب فيها على القحة الحياء وقد وقف بينها الانف يوازن بين الصفاتين معدلاً لها.
ان بوتيتشلي ابتدع مثلاً رفيعاً للجمال حتى يتراءى اليّ انا الذي جبلت من تراب ان هذا الجمال هو من عالم غير عالمنا. ومنذ عرفت هذه الرائعة لبوتيتشلي صرت اتأملها وأحسبني اذ ذاك سائحاً في بقعة من بقاع الفردوس الجميلة.
على اني - رغم اعجابي برائعة بوتيتشلي على ما سلف في كلامي - ارى ان الجمال المثالي الكامل يتعذر ان يتجلى بأسره في رائعة من روائع الانسان لأن الجمال المثالي هو غير متناه، فمهما بذل الفنان من جهود ومهما تكلف من عناء في اتقان انتاجه يظل مستحيلاً عليه في صنع يديه المتناهيتين ان يمثل الجمال اللامتناهي تمثيلاً كاملاً.


