انه لمن الظلم والاجحاف ان يتحدث المرء عن النهضة النسائية المتوثبة في لبنان دون الاشادة بالدور السياسي الخطير الذي لعبته المرأة اللبنانية في انتزاع الاستقلال من الاجنبي الغاشم ، ولا سيما المجاهدة الاولى صاحبة العصمة عقيلة فخامة الرئيس اذ تكتلت حولها وفي بيتها سيداتنا من مختلف الاوساط فعقدن المؤتمرات ووضعن المذكرات وطفن على ممثلي الدول العربية والحليفة وطيرن البرقيات والاحتجاجات ، فارتفع صوت المرأة اللبنانية داوياً في اقطار العالم يطالب بالحق السليب والعز المضاع ...
بوسعي ان أنسى كل شيء شاهدته او سمعت به يوم المحنة حتى بشامون ! ولكني لن أنسى ما حييت مشهد سيداتنا المحصنات وفتياتنا النضرات ، وقد نسين الفوارق المذهبية ودفنّها الى الابد ، وغادرن خدورهن وهبطن ساحة الجهاد يمشين في الطليعة ، في خطوط النار ، صفاً واحداً متراصاً ، بخطى ثابتة ، عاليات الرؤوس ، وقلوبهن عامرة بالايمان ، يتحدّين دبابات المستعمر ومتاريسه وحرابه وبنادقه المصوبة الى صدورهن ، يستقبلن الرصاص باسمات ، ويحلو لهن الموت والاستشهاد في سبيل لبنان !
وكانت من نِعَم الله على لبنان ان انبثقت عن محنة الايام العشرة ، جامعة نساء لبنان ، هذه النخبة الممتازة من عقيلاتنا وآنساتنا اللواتي رأين بعد ان ساهمن في انتزاع الاستقلال فاصبح حقيقة واقعة ، ان يتفرغن لتدعيمه بالعمل الانشائي التوجيهي المثمر ، فأسفرت جهودهن في هذه الفترة الوجيزة عن مشروعين توجيهيين جليلين : الاول روضة اطفال حديثة من الطراز الممتاز ، والثاني مجلة نسائية راقية هي بحق ودون غلو اروع نشرة من نوعها في العالم العربي اذ جمعت من الاناقة والذوق ، المتعة والطرافة والفائدة .
وبذلك اختيار الجامعة هذين المشروعين دون سواهما على بعد النظر وسداد الرأي عند سيداتنا الفاضلات، فقد رأين ان الاصلاح الشامل يجب ان يتناول الصغار والكبار على السواء وفي آن واحد، والاصلاح لدى الصغار يكون بتوجيههم في الاساس ومنذ نعومة اظفارهن الوجهة الصالحة فكانت روضة الاطفال ، والاصلاح لدى الكبار انما يكون بالتوجيه المنظم العام ، ولا ريب ان المجلة خير وسيلة ناجحة للاتصال باللبنانيات الراشدات فكانت مجلة « صوت المرأة » .
على انه بدا لي وانا ارقب بابتهاج وغبطة نشوء هذين المشروعين الجليلين ان جهود الجامعة المشكورة كانت متجهة نحو « الخاصة » دون العامة ، ونحو النخبة المثقفة الميسورة دون الطبقات المحرومة الجاهلة، فالروضة لا تتسع الا لعدد محدود من الاطفال المقتدرين، والمجلة لا تصل الا الى ايدي النساء المثقفات وهؤلاء لا يؤلفن بمجموعهن -ويا للأسف- السواد الاعظم من الجنس اللطيف في لبنان.
لذلك رأيت ان اتوجه في حديثي هذا المساء شطر الجماعات المنسية ، هذه الالوف المؤلفة من المواطنين والمواطنات الذين يتألف منهم لبنان ، وعلى سواعدهم تقوم كل نهضة في لبنان ، مجتزأ بمرحلة الطفولة ، هذه الطفولة المتألمة المعذبة التي لن تجد في غير المرأة الواعية نصيراً صادقاً ينهض بها من كبوتها ، ولن تجد خيراً من جامعة نساء لبنان وعلى رأسها عصمة اللبنانية الاولى ، مؤاسياً رحيماً يحنو على هذه البراعم المتفتحة وينقذها من براثن الجهل والمرض والفقر .
لعل ابرز ما يشاهده المرء في احياء العاصمة من مظاهر البؤس والشقاء هم هؤلاء الاطفال - الاكباد الماشية على الارض - الذين يدبون في الطرقات القذرة يعبثون بالفضلات ، حفاة ونصف عراة ، وسن الواحد منهم لا تتجاوز الثالثة او الرابعة . شحوب باد في الوجه ينم عن سوء التغذية ، وقذارة ظاهرة تنم عن قلة العناية وضيق ذات اليد ، وكثرة هائلة تدل على مساهمة الفقراء في تنشيط النسل - دون تحسينه - مساهمة فعالة ، وكل ذلك يؤلف بمجموعه صورة صارخة للظلم الاجتماعي الذي يسود لبنان كما يسود سائر الاقطار العربية .
هذه مشاهد يراها الناس كل يوم فلا تستوقف اهتمامهم وعنايتهم ، فقد ألفوها لكثرة ما رأوها ، ولعلي ألفتها ايضاً ، ولكن الذي يؤلمني من مناظر هذه الطفولة المعذبة ، رؤية هذا الصغير الذي يبكي في الشارع بكاء مراً يستدرّ الشفقة وليس ثمة من يعنى به . فأمه المشغولة في خدمة البيت او خدمة الجيران او المريضة قد ارسلته يبكي في الطريق ، وهناك وسط الفضلات وفي جو من البكاء والنحيب يقضي المسكين عهد الطفولة الذهبي السعيد الذي يتغنى به الكتّاب والشعراء ، ويتمنون عودته .
قسماً ، ما رأيت مشاهد هذه الطفولة المشردة الباكية ، الا


