السيدة جوزفين سلمان
من زمان، منذ ايام الطفولة الأولى، والميلاد في نفسي فرحة لا تعادلها فرحة... كان والدي في ليلة الميلاد، يضمنا كلنا، انا واخوتي إلى صدره، حول موقد النار المعمر بالجمر، ليقص علينا القصة السماوية... قصة الثلج على المغارة والطفل في المذود، والملائكة في السماء، والرعاة على الجبل، ومجوس يحملون اللبان والمر والذهب... ومريم تلف طفلها خوفاً من صقيع تلك الليلة... والحيوانات تدفئه بلهاثها.
... وما ازال اذكر ان والدي في تلك الليلة، ليلة الميلاد، كانت نفسه يشبع فيها الفرح والمحبة والحنان. ووجهه يشرق لشيء غريب، يجعلنا نحس كلنا بغبطة، فيما نحن نغمض عيوننا على حلم جميل، ونستسلم لغفوة هنيئة... نستيقظ منها على صوت الجرس في الكنيسة القريبة من بيتنا... ونسرع، بدافع داخلي، الى فساتين العيد الجديد، وشريطة الميلاد الحمراء. ويا لدهشتنا، حينما نجد ان يداً عجيبة غريبة، ملأت زوايا الفراش، بالهدايا الجميلة... كانوا يقولون لنا إنها يد الشيخ القديس، صديق الاطفال...
وها انا اليوم، تعاودني هذه الذكرى المفرحة، في كل ميلاد في وجوه اطفالي الثلاثة... وهم يصغون بعيونهم وقلوبهم، الى الحكاية الجميلة التي تعلمتها من والدي. وينامون وفي قلوبهم ينام حلم الصباح: « بابا نويل » واكياس الملابس والاحذية
الجديدة... وطفل صغير، اشقر الشعر، مورد الخدين، طري الجسد، ينام في المغارة، اسمه يسوع...
وفي الصباح تغمرني موجة من الفرح، تذكرني بايام طفولتي، وانا اراهم يقفزون بجانب سريري، حفاة الاقدام، وفي عيونهم فرح العيد وبهجة العيد وفي ايديهم هدايا العيد.
... وما انسى، على فرحي، ان اطفالاً عديدين، لن يكون عيد الميلاد اكثر من حزة سكين في قلوبهم...
ترى، متى يصبح الميلاد فرحة جميع الاطفال على صدور جميع الامهات؟
الآنسة رضى جريديني
فرح عظيم يشمل السماء والارض بميلاد صبي جديد يتلاقى امام سريره الوضيع حيث انبثق نور الاخاء والمساواة والسلام، يتلاقى الملك والعالم والراعي اخوة متشابهين في ما يطلبون متساوين في ما ينالون، لا يغتصب الكبير منهم حقوق الصغير ولا يشمخ العظيم على الوضيع، يلتقون ليتنازلوا من تلقاء انفسهم عن جزء مما يملكونه.
فكأنني بهذا الطفل صاحب العيد اليوم يقول « الناس يعيدون باسمي ويتهادون الهدايا النفيسة اما انا فغريب عنهم. اطوف في مشارق الارض ومغاربها وليس من يعرف حقيقتي، اتيت بالسلام والسرور للعالم فاين السلام؟ ولم ارى الشعوب والافراد في اضطراب واضطرام
متسابقة في الاغتصاب والطمع والانانية؟ انا بريء ممن يحمل اسمي ويبغض اخاه الانسان ويدخل في اشباع شهواته ورغائبه على حساب المسكين والضعيف. فرددي يا اجراس العيد رسالة الميلاد التي يجب ابداً ان تكون محبة واخوة وسلاماً.
الآنسة ماري صبري
« المجد لله في الاعالي وعلى الارض السلام وبالناس المسرة ».
هو جوق من الملائكة يرنم انشودته الخالدة مبتهجاً بولادة الطفل البكر، بكر الزارعين في حقل الانسانية، وحي المحبة، بكر القائلين: « احبوا اعداءكم »، تلك الجملة الخالدة التي لو عمل العالم بها لزالت الحرب في الحال. وكأنني بالملائكة وقد علمن بأن المولود الجديد جاء لينطق بتلك الكلمات العذبة، كلمات المحبة للجميع، كلمات هي الدواء الوحيد لنشر راية السلام.
انا لا ارى لحناً مع كل ما اخترعه البشر من الحان اقدر على التعزية وابهج للقلب من لحن السلام والمسرة.
جوق من الملائكة، ينشد لطفل صغير، في مزود حقير، رعاة، مجوس، صور غريبة عجيبة، تثير في نفسي وحياً داخلياً، وتفتح امامي باب التأمل، وتجعلني اشعر اني في جو غير عادي، وان روحي قد خلصت من ادران الحياة المادية، واتصلت بالملأ الاعلى، ملأ السلام والمحبة والاخاء. هو شعور طالما تاقت نفسي اليه وطالما تمنيت ان يدوم اذ لا شيء ابهج للقلب وامتع للنفس من ذكرى يوم الميلاد ونشيد الحب والسلام وكيف لا تهتز القلوب طرباً في عيد ميلاد ذلك الناصري - ناصر الحق على الباطل، ناصر الضعيف، ناصر كل عديم الرجاء.

