مبشرة الطبيعة بالخير الغزير .
ووقف الرجل مولياً وجهه شطر الافق البعيد كأنه يريد ان ينفذ ببصره الى مجاهل السماء ، ويستشف ما وراء السحب الرمادية . وحوّل عينيه عن الافق والقى ببصره الى الارض الظامئة التي طال شوقها الى الفأس ... والمطر !
وتمثلت له الارض مستسلمة لضربات فأسه القوية ، يستودعها الحب والبذور فتقدم له الخير ... والذهب .
وتصورها في الربيع تموج في حلّتها الخضراء الذاهبة . مستكينة لقبلات الظل ، مستحمة في فيض من نور الشمس .
حتى اذا حلّ الصيف ، وتبعه الخريف محملاً على اجنحة ريح الشمال ، وثقلت كواهل الزرع بالحب الناضج ، ادار منجله بخفة ، وملأ بيادره بالاغمار وكوخه بالخيرات .
وتنفس الرجل عميقاً بارتياح ، وتألقت أساريره في ابتسامة سعيدة . وقام فجأة من تخيلاته واحلامه ، وتصدت له الحقيقة بكل مرارتها وقسوتها ، وفطن الى انه باع الارض لاسبوع خلا .
نعم باع الارض !
خبزه ، ومن طينها مأواه ،
بسكينة وسلام .
ان الغنى في الراحة ...!!
الارض التي فيها
وفي ثراها سيوسد ويموت

هذه الارض التي ورثها آباؤه عن اجداده ، وهؤلاء بدورهم اورثوه اياها ، وكان هو مزمعاً ان يقدمها لابنائه ... ولكن .
ولكن ها هم هؤلاء الدخلاء يدوسون الارض بآلات الحرث الثقيلة ويجعلون من باطنها ظاهرها .
وودّ لو يستطيع الذهاب اليهم ، فيلقى بالنقود في وجوههم ويقول : خذوا .. خذوا اوراقكم واعطوني ارضي ، فالثمن الذي دفعتموه لا يساوي ذرة من ترابها .
ولكن هيهات ... هيهات !
وظفرت من عين الرجل دمعة ...
دمعة حارة ابتلعتها اخاديد وجهه العميقة .
وكانت دمعته هذه اغلى وأثمن بكثير من الذهب الذي دفع له ثمناً للارض الطيبة .

