
العلم ان لا حديقة في منطقة «سكانه» تضارع بجمالها وتنسيقها وغناها حديقتنا هذه. اما وانت المرأة التي تعيش في الغابة سحابة السنة فلا يصح ان تحكمي على ما يصنعه الكاهن الجليل.
قالت الام الصعلوكة:
— لم اقصد مطلقاً ان انصّب نفسي حكماً عليك او عليه، كل ما هنالك اني قلت: اذا اتيحت لكما رؤية الحديقة التي افكر فيها فانكما ستقتلعان الزهور المغروسة هنا كلها وترميانها كما ترميان الاعشاب البرية.
ولم يكن اعجاب الراهب بالجنينة اقل من اعجاب الكاهن بها، فقال للصعلوكة وقد حوّمت على شفتيه ابتسامة صفراء:
— يظهر ان هذه الجنينة التي غرستها انت بين اشجار الصنوبر في غابة غوينجه رائعة! اني اراهن على خلاص نفسي انك لم تدخلي قبل اليوم سور حديقة ما!
فاصطبغت وجنتا الام الصعلوكة بلون قرمزي للغضب الذي تملكها لدى سماعها هذا الكلام. ان الراهب ليشك في صدق قولها. اجابت:
— قد يكون صحيحاً اني لم اضع رجليّ في حديقة قبل هذه المرة. لكن انتم الكهنة، انتم اهل الظهر، يجب ان تعرفوا ان غابة غوينجه تنقلب ليلة الميلاد من كل سنة الى جنينة رائعة المنظر احتفالاً بالسيد المسيح ومقدمه السعيد. وقد رأينا نحن الذين نعيش في الغابة هذه المعجزة تكرر كل سنة. وأشهد ان طلعة الازهار البديعة المتنوعة في تلك الحديقة الغناء سحرتني حتى اني لم اجرؤ مطلقاً على اقتلاع واحدة منها.
وهمّ الراهب بالكلام فمنعه الكاهن هانس. ذلك انه منذ ايام طفولته الاولى وهو يسمع نبأ هذه الغابة، وكيف تكتسي حلة خضراء رائعة ليلة عيد الميلاد. وشد ما كان يتشوق الى رؤية هذه الآية من آيات الله البينات، على انه لم يجد الى ذلك سبيلاً.
فتمنى بلهفة على الام الصعلوكة ان تسمح له بزيارة كيف الصعاليك ليلة الميلاد لمشاهدة جنة الله في ارضه، والتمس منها ان توفد اليه احد اولادها يدله على الطريق، وحرص على ان يؤكد لها انه سيكتم سرّهم في اعماقه فلا يخونهم، وانه سيكافئهم ما وسعته قدرته.
رفضت الام الصعلوكة طلب الكاهن في بدء الامر لانها ذكرت زوجها الصعلوك والاذى الذي يمكن ان يلحق به اذا هي سمحت للكاهن هانس بزيارة كيفهم. لكن رغبتها في البرهان على صحة دعواها تغلبت في النهاية. فقبلت ان يزور الكاهن كيف الصعاليك قائلة: ولكنك لا تستطيع ان تصطحب الا شخصاً واحداً، وقد وثقت بكلامك انك لن تفضح امرنا او تنصب فخاً للايقاع بنا.
فوعدها الكاهن هانس بأن لا يخل بشرط ما قالته واقسم لها بأن يحافظ على وعده. فانصرفت هي من حيث اتت، ومال الكاهن الى الراهب واسرّ اليه ان يكتم ما دار بينهم من حديث ويطوي خبر الخطة المرسومة. انه كان يخشى، اذا اعلم سائر الكهنة والرهبان بالامر، ان يحولوا بينه وبين الركوب الى كيف الصعاليك لكبر سنه.
والكاهن هانس نفسه كان ينوي ان لا يكلم احداً بصدد هذه الزيارة، لكن حدث ما لم يكن في الحسبان. فقد زاره يوماً «أبصالون» اسقف «لوند» وقضى ليلة عنده.
وفي غد انحدر الكاهن هانس والاسقف الى حديقة الدير يتمشيان. فتذكر الكاهن ما كان من امره مع الام الصعلوكة. وقد سمعه الراهب العامل في الحديقة يخاطب الاسقف فيروي له خبر هذه المرأة وزوجها الصعلوك الذي انقضت سنوات طويلة على نفيه الى الغابة النائية ثم يطلب اليه الافراج عن الزوج الشقي ليتسنى له ان يعيش عيشة هادئة شريفة مع سائر ابناء جنسه.
قال الكاهن:
— ان اولاد هذا الصعلوك يشبّون على شاكلة ابيهم، ويُخشى ان يفوقوه شراً عندما يكبرون، فلا يمضي وقت حتى تصبح هذه العصابة سيدة الغابة تعيث فيها وفي جوارها فساداً.
غير ان الاسقف أبصالون رفض الافراج عن هذا الصعلوك الشرير لانه لم يطق ان يتصوره حراً طليقاً، يسرح ويمرح في القرية بين مواطنيه الطيبين. فالخير كل الخير ان يبقى حيث هو، في منفاه في الغابة.
فتشجع الكاهن هانس وروى للاسقف خبر غابة غوينجه، كيف انها في ليلة الميلاد امام كيف الصعاليك تكتسي حلة ربيعية بديعة. قال الكاهن:
— لو كان هؤلاء العصاة اشراراً بكل معنى الكلمة لما اظهر الله امامهم هذه المعجزة. فهم يستحقون منا، نحن البشر، كل عطف ورحمة.
وعرف الاسقف كيف يجيبه فقال مبتسما: بهذا استطيع ان اعدك ايها الكاهن الجليل: عندما تبعث اليّ بزهرة من زهور حديقة الميلاد في غابة غوينجه سأرسل اليك رسالة بالعفو عن جميع الصعاليك الذين تطلب مني ان افرج عنهم.
هنا فهم الراهب العامل في الحديقة ان الاسقف لم يصدّق قصة الام الصعلوكة كما يصدّقها هو. اما الكاهن هانس فانه كان بعيداً كل البعد عن مثل هذه الخواطر، فشكر للاسقف وعده مؤكداً له انه سيبعث اليه بالزهرة.
*
أزفت ليلة الميلاد، واذا بالكاهن هانس في طريقه الى غابة غوينجه، يتقدمه احد اولاد الام الصعلوكة، ويتبعه الراهب على ظهر جواده.
كان الكاهن يتشوّق الى حلول موعد هذه الرحلة، فلما اقبل الوقت شعر بغبطة لا مزيد عليها. اما الراهب فلم يكن ذلك