شأنه. انه يحب الكاهن حباً صادقاً، فهو يكره ان يقوم سواه على حراسته ومواكبته في مثل هذه الرحلات. لكنه لا يزال يعتقد بانها لن يبصرا حديقة الميلاد المزعومة، ولا يزال يؤمن بأن هناك مكيدة دبرتها الام الصعلوكة واحكمت تدبيرها للايقاع بالكاهن والقائه بين مخالب زوجها.
في الطريق المتجه نحو الشمال، شاهد الكاهن تهيؤ الاهلين للاحتفال بهذه الليلة المباركة. ففي كل مزرعة نار مشبوبة في الحمامات لتدفئتها استعداداً للاستحمام. وهذه اللحوم وارغفة الخبز تنقل من بيوت المؤونة الى المنازل، بينما يحمل الرجال اغمار القش الكبيرة ليفرشوها على الارض. وفي كل كنيسة مروا بها رأوا الكاهن يقوم مع القندلفت بتزيين معبده. ولما بلغوا الطريق الذي يؤدي الى دير «بوسيو» وقع نظر الكاهن على فقراء تلك الناحية يحملون الخبز والشموع التي اعطاهم اياها رهبان الدير. فكانت هذه المشاهد البهجة تزيد في شوق الكاهن الى بلوغ الغابة. ذلك لأنه لم يفتأ يفكر بالاحتفال الذي ينتظره، هذا الاحتفال الذي سيكون اعظم مما يتسنى لسائر الناس ان يشاهدوا.
الا ان الراهب كان يضطرب ويتذمر اذ يرى الاستعداد في كل كوخ من الاكواخ الحقيرة التي مروا بها. احس بخوف وخطر عظيمين فتوسل الى الكاهن ان يحولا وجيههما شطر دير اوفيد، ويقلعا عن هذه الزيارة تخلصاً من براثن الصعلوكة.
لكن الكاهن هانس واصل تقدمه الهادئ على ظهر جواده دون ان يعير كلمات الراهب وتوسلاته اذناً صاغية. وما هي الالحظات حتى اصبحت القرى وراءهم، وافضوا الى منطقة مقفرة موحشة. وسلكوا طريقاً وعراً تتخلله صخور وعقبات كأداء ومستنقعات كثيرة. ولم يكن من جسر فوق الساقية والنهر اللذين يعترضان تلك المنطقة. فلم يبال الكاهن. عبر هذه المجاري
دون ما ترمر الى ان بلغوا سهلاً منفرجاً كساه الثلج حلة قارسة ناصعة البياض. كان الركوب على هذا الطريق الطويل عسيراً محفوفاً بالمخاطر. كان الثلاثة يشقون لهم سبيلاً وسط العواصف الهوجاء والمستنقعات والعليق. ثم انصرم النهار، وشحب وجه السماء، واذا بالصعلوك الصغير دليلهما، يقودهما عبر مرج تحف بجانبه ادواح الشوح الباسقة وتغطيه اوراق الشجر اليابسة. وفي طرف هذا المرج جبل ينهض كأنه الجدار وفيه باب مصنوع من ألواح الصنوبر السميكة.
ترجل الكاهن هانس عن مطيته بعد ان عرف انهم بلغوا حيث يقصدون. ودفع الصبي الباب، فرأى الكاهن امامه كهفاً جلياً حقيراً، عاري الحيطان، ووجد الام الصعلوكة قابعة تصطلي على جذع شجرة يتقد في وسط المكان. وفي الزوايا فرش مبسوطة نام على احدها الأب الصعلوك وراح يغط في نومه.
قالت الام الصعلوكة دون ان تتحرك من مكانها:
- ادخلا وادخلا معكما الفرسين، لئلا يقضي عليهما البرد القارس طول هذه الليلة.
فدخل الكاهن هانس الكهف بشجاعة وتبعه الراهب. كانت تتجلى الحقارة والفقر في هذا الكوخ. ولاشيء يدل على الاستعداد لاحياء ليلة الميلاد. ولم تكن الام الصعلوكة قد صنعت جعة او خبزت، او نظفت كوخها او مسحت ارضه. وكان اولادها الصغار منبطحين على الحضيض مكبين على ابريق معدني واسع يرشفون ما فيه من حساء، وهو كل طعامهم لعشية الميلاد.
قالت الام الصعلوكة بلهجة الآمر المتغطرس:
- ايها الكاهن هانس، اجلس الى هذه النار المشبوبة وادفأ. واذا كان معك زاد فكل، لان الطعام الذي نصنعه نحن في الغابة لا يعجبك. اما اذا كنت تشعر بتعب من جراء هذه الرحلة، فاستلق على
احد هذه الفرش وأرح نفسك هنيهة. ولا تخشى من الاستغراق في النوم، فسأبقى انا الى جانبك ارعاك، حتى اذا ازف موعد الامر الذي جئت من اجله ايقظتك.
ففك الكاهن هانس عقدة جرابه الذي جعل فيه زاده، لكنه كان متعباً فلم يستطع الاكل، فاضطجع على الفراش وسرعان ما أخذته سنة من النوم.
وكذلك اعطي الراهب فراشاً ليستريح عليه لكنه ابى النوم خوفاً على الكاهن من الاب الصعلوك. غير ان النعاس غلب عليه فأطبق جفنيه وغاص في سبات عميق.
ثم لما استيقظ رأى الكاهن هانس جالساً على مقربة من الموقد يخاطب الام الصعلوكة، وقد قعد الى جانبها الاب الصعلوك. وهو رجل طويل القامة، كئيب جامد، ادار ظهره الى الكاهن كأنه لا يصغي الى الحوار.
كان الكاهن هانس يروي للمرأة ما شاهده على مدى الطريق التي سلكها الى الغابة من استعداد للاحتفال بعيد الميلاد المجيد. وكان يرجع بها الى ايام شبابها فيذكرها بمهرجانات الميلاد وبالالعاب التي كانت تشترك فيها يوم كانت تحيا حياة سلام وهدوء كسائر الناس الصالحين، فيقول لها:
- اني لشديد الحزن لاولادك الصغار الذين لن يتاح لهم ان يسرحوا ويمرحوا في طرقات القرية ويشاطروا صغارها لعبهم ومرحهم.
كانت اجوبة الام الصعلوكة اول الامر قصيرة مقتضبة لكنها سرعان ما انصرفت الى الكاهن بجميع نفسها فاصبحت كلها آذاناً تصغي الى ما يقول. وفجأة حوّل الاب الصعلوك وجهه نحوهما وهزّ قبضة يده في وجه الكاهن قائلاً بصوت مرتفع:
- ايها الكاهن الشقي، هل جئت الى هذا المكان لتغوي زوجي وصغاري؟ الا تعلم اني من العصاة الخوارج وليس يسعني ان اغادر هذه الغابة؟
