فلم يشعر الكاهن بخوف ، بل تطلع الى الصعلوك وقال له بوداعة :
- اني اسعى جهدي لاستصدر لك قراراً بالعفو عنك من الاسقف أبصالون .
فأغرق الصعلوكان في الضحك لانهما كانا يعرفان حق المعرفة نوع الرحمة التي يمكن ان تكون نصيب احد صعاليك الغابة من الاسقف المذكور . قال الرجل :
- اسمع ، ايها الكاهن . اذا حصلت لي على عفو من الاسقف فاني اقسم لك بأن اقلع عن السرقة !
اشمأز الراهب لموقفهما من الكاهن هانس وخجل من ضحكهما في وجهه على هذه الصورة . لكن فيما عدا ذلك ، كان راضياً بعض الرضى ، اذ لم يسبق له ان ابصر الكاهن جالساً بكل هدوء ووداعة جلسته بين معشر الصعاليك هؤلاء .
وفجأة نهضت الام الصعلوكة من مقرها وقالت :
- ايها الكاهن ، لقد ازهلنا الحديث ، عن النظر الى الغابة . فأني من هنا اسمع قرع اجراس العيد .
فقفز الجميع وقوفاً . كانت الظلمة ماتزال حالكة ، وكان الجو جد بارد ، فلم يشهدوا شيئاً ، لكنهم سمعوا رنيناً سحيقاً ، رنين اجراس ، حملته اليهم ريح جنوبية ناعمة الهبوب .
تساءل الكاهن هانس :
- كيف يمكن ان تستيقظ على قرع الاجراس هذه الغابة الهاجعة الغارقة في هجوعها ؟
كان قائماً وسط الظلمة الشتوية الدامسة ، فبدا له من المستبعد ان ينبثق في صميم
الغابة حديقة صيفية كما اعتقد من قبل .
ولكن ما هي الا بضع ثوان حتى غمرت الغابة موجة من الضوء عبرت عبوراً خاطفاً ثم عادت . عادت كأنها ضبابة نيرة تسبح خلال الاشجار الموشحة بالسواد .
واذا بالليلة تستغرق في ضوء مبهوت يحكي الشعاع اول البزوغ .
هنا لحظ الكاهن هانس ان الثلج قد ذاب عن الارض كبساط كان ممدوداً عليها وانطوى . كذلك لحظ ان الارض طفقت تستعيد خضرارها وقد انبثقت منها نبات الخنشار بسعفها المحجنة كعصا الاسقف ، كما اخذت اضلاع « السمسمة » فوق
التلال وقضب الريحان في المستنقعات ترتدي خضرة جديدة .
وانتشرت اغراس الحناء وبسقت ، وطلعت براعم الزهور الربيعية ممتلئة متشحة بالالوان .
فنبض قلب الكاهن هانس ! نبض نبضات متلاحقة متسارعة لدى هذه العلامات الاولى من تباشير اليقظة في الغابة .
وراح يتمتم وعيناه تغرورقان بالدموع « ايتاح لي ، انا الشيخ الفاني ، ان اشهد هذه المعجزة العظيمة ؟ »
وبغتة غشي الغاب سحاب رقيق ظن معه الكاهن ان الظلام سيعود فيطبق من
جديد . لكن دفعة جديدة من النور انطلقت ، وهي تحمل معها همس السواقي وخرير الشلالات . فتفتحت في الاشجار اوراقها باسرع من لمح البصر كما لو كانت ملايين الفراشات الخضراء قد طارت واستقرت على الاغصان .
ولم تقتصر هذه اليقظة على الشجر والنبات ، بل شملت الطيور ايضا . فهنا اسراب من ذوات المناقير الكبيرة راحت تثب من فند الى فند ، وهنا اسراب من نقارات الخشب راحت تقرع قشور الاغصان فتنتثر الشظايا يميناً وشمالاً .
واقبلت طوائف من الزرازير منشورة الاجنحة ، فحطت على رؤوس شجر «التنوب» (١) الفضي وكلما تحركت لمعت اطراف ريشها الاحمر وشابهت ببريقها الاحجار الكريمة .
ثم ختمت الظلمة لحظة عقبها اشراق النور من جديد . وهب من الجنوب نسيم عليل دافئ ذرى في ارجاء المرج المنبسط
جميع البذور الدقيقة التي حملتها الطيور والسفن والرياح من الاراضي الجنوبية . فلم تكد هذه البذور تلامس التربة الخصبة حتى ضربت فيها جذورها ونبتت .
وهبت موجة اخرى من هواء حار ، فنضجت الكبوش على اختلاف انواعها . واقبلت الغرانيق والاوز البرية تزعق زعقها المعروف ، بينما انهمكت اسراب « ابي الحن » في صنع اعشاشها ، وراحت السناجيب تلعب في الاشجار على مألوف عادتها .

