لكن موكب الملائكة ظل يقترب من الكهف حتى استطاع الكاهن هانس أن يبصر هياكله النورانية من خلال الأشجار . وأبصرهم الراهب أيضاً ، على أنه ظل يفكر أزراء هذا الجمال العجيب يكمن شيء شرير .
فقد كان من رأيه أن الشيطان هو الذي يصنع هذه العجائب ليلة ميلاد المخلص . وفي هذه الآونة شرعت العصافير تحوم فوق الكاهن هانس وحوله وتأذن له أن يتناولها ويأخذها بين يديه . إلا أنها وهي من الحيوان ، كانت تخشى الراهب ، فلم يحط على كتفه عصفور منها ، ولم يتقلب عند قدميه أفعوان . ولكن حمامة صغيرة رأت الملائكة يتابعون تقدمهم ، فتشجعت ورفرفت بجناحيها واستقرت على كتف الراهب ، ومسحت وجهه برأسها الأبيض الدقيق . فطمها الراهب ظناً منه أنها قوة الشر جاءت تغويه وتفسده . وصاح بصوت عال ردد الغاب صداه :
- عودي إلى الجحيم الذي أتيت منه !
وكان الملائكة ، في هذه اللحظة نفسها قد اشتد دنوهم من الكاهن هانس حتى أن كانت أجنحتهم الكبيرة فعلت إزاء جبهه فعل المراوح . فطأطأ رأسه إلى الأرض تحية وخشوعاً . لكن لم يكد الراهب ينطق بكلماته حتى أمسك الملائكة عن الغناء واختفوا كلمح البصر ، كما ينفي النور والدفء هرباً من ظلمة القلب البشري وصقيعه .
وعاد المكان فتسربل بجلباب الليل الحالك البارد ، فشعر الكاهن هانس بقلبه قلص في قبضة ألم لا يطاق بعد أن كان نفح بهجة وسعادة . قال لنفسه :
- لا أستطيع أن أفهم ما حدث ، كان ملائكة الجنة قريبين ثم طردوا ... كانوا يريدون أن يترنموا بأناشيد الميلاد أمامي فاضطروا إلى الفرار .
وتذكر الزهرة التي وعد بها الأسقف إيصالون ، فتلمس في آخر لحظة النباتات التي
كانت بجانبه ، باحثاً عن زهرة .
وعاد الصعاليك والراهب الكهف متلمسين طريقهم في ذلك الظلام الدامس فلما افتقدوا الكاهن هانس لم يجدوه . فحملوا من النار أعواداً مشتعلة وطفقوا يبحثون عنه ... فألفوه جثة هامدة ممدودة على فراش من الثلج .
بكى الراهب واشتد عويله . كان يعلم أنه هو الذي صرع الكاهن هانس حين اغتصب منه كأس سعادته التي كان متعطشاً إلى اجتراعها حتى الثمالة .
ونقلت جثة الكاهن إلى دير أوفيد فاجتمع حولها الرهبان ، وفوراً لحظوا أن يد الكاهن اليمنى منطبقة بقوة على شيء لا بد أن يكون الميت قد قبض عليه ساعة وافاه الأجل . فعالجوا اليد حتى فتحوها فوجدوا أن ما كانت تنطبق عليه بهذه القوة ليس سوى بصلتين بيضاوين من بصل النبات اقتلعها الكاهن من الغابة . فأخذها الراهب الذي كان رفيقه في رحلته وغرسها في حديقة الدير . وعني بها عناية فائقة مدى العام ، رجاء أن تزهرا يوماً من الأيام . لكنه انتظر عبثاً طول الربيع والصيف والخريف ، حتى كان الشتاء بوجومه ووحشته ، فتناثرت أوراق الأشجار ، واختفت جميع الزهور ، فأهمل الراهب
البصلتين إهمال يأس .
ثم كانت ليلة الميلاد فتذكر الراهب الكاهن هانس ، فخرج إلى الحديقة يفكر فيه بعض الوقت . فما وصل إلى حيث زرع البصلتين حتى رأى قضباً باسقة خضراء تحمل زهوراً جميلة لها أوراق ناصعة فضية .
فنادى الرهبان ليروا هاتين البصلتين اللتين لم تزهرا إلا ليلة عيد الميلاد . فلما شهدوا ذلك ، في الوقت الذي اختفت فيه الزهور على أنواعها ، تبين لهم أن هذه الزهرة هي حقاً الزهرة التي اقتطفها الكاهن الراحل من حديقة الميلاد في غابة غوينجه .
فاستأذن الراهب أخوانه في حمل باقة من هذه الأزهار إلى الأسقف إيصالون . وانطلق إليه . فقدم له الباقة قائلاً :
- إن الكاهن هانس بعث إليك بهذه الزهور التي وعدك باقتطافها من حديقة الميلاد في غابة غوينجه .
فشحب لون الأسقف حين سمع كلام الراهب وأبصر الزهور البديعة التي أنبتتها الأرض في فصل الشتاء . وأغرق برهة طويلة في الصمت ثم قال :
- لقد حفظ الكاهن هانس عهده ، وأنا بدوري سأحفظ كلامي .
وأمر بتحرير رسالة يفرج فيها عن الصعلوك الذي نفي إلى الغابة منذ حداثته ، وسلم الرسالة إلى الراهب فأسرع بها إلى الغابة .
دخل الراهب كهف الصعاليك يوم عيد الميلاد فاستقبله الأب الصعلوك ، وقد شهر في وجهه الفأس قائلاً :
- آه كم اشتهي أن أقطعكم أنتم الرهبان ، مهما يكن عددكم كثيراً . أنتم ولا ريب ، أنتم سبب بقاء الغابة على حالها ليلة أمس ، فإنها لم تكتس حلة الميلاد البهيجة .
أجاب الراهب :
- بل أنا وحدي سبب هذا الأمر .

