كحياة الرجال : فيها ما في حياة الرجال من سعادة وشقاء ، ومن راحة وتعب ، ومن جد وسعي ، ومن اضطراب بين اليمن والشام ، ومن استقرار في الظواهر والبطحاء . ألم يصارع الموت عن ابنه صراعاً، ألم يشتر ابنه من القضاء شراء ! فما هذا الجهاد بالقداح بينه وبين القضاء المسلط ! يفادي ابنه بالابل فيشتط عليه القضاء ولا يرضى حتى يبلغ المائة . وفيم كان انتصاره ! وفيم كان ابتهاج بني هاشم ! وفيم كان ابتهاج قريش بانتصار الحياة على الموت ، وافلات الشباب من مدية المضحي ..
وكان الشيخ يضحك في نفسه ضحكاً حزيناً يوشك أن يكون بأساً مهلكاً وثورة جائحة ، لولا انه كان ذا قلب تعلّم كيف يطمئن للاحداث ويذعن للخطوب ويصبر على النائبات . كان الشيخ يضحك في نفسه ضحكاً حزيناً مؤلماً حين كان يفكر في غرور قريش ، وتقديرها ان الله قد رد طاغية الحبشة ، وارسل عليه وعلى جيشه ما ارسل من الطير الابابيل ، تكريماً لها وإيثاراً ، وحين يفكر في غروره هو حين كان يقدّر ان الله قد انقذ ابنه من مدينه وفداه بمائة من الابل ايثاراً له بالعافية ، واختصاصاً له بالكرامة . كلا ! كلا ! لم يُهزم الفيل واصحاب الفيل إكراماً لقريش ، وانما هي آية اجراها الله لامر يعلمه هو ، ولا يعلم الناس منه شيئاً . ولم ينقذ الله عبد الله من الموت ويفاده بمائة من الابل إكراماً له او إكراماً لابيه ، وانما انقذه من الموت وفاداه بالابل لامر يريده هو ، ولا يعلم الناس منه شيئاً . والا ففيم نجا هذا الفتى من الموت ليموت بعد ذلك بقليل ! أليس غريباً ان ينجو من الموت فيتخذ له زوجاً لا يقيم معها الا وقتاً قصيراً . ثم يفارقها كما يفارق الناس ازواجهم ليعود اليها كما يعود الناس الى ازواجهم ! ولكن رفاقه
يعودون وهو لا يعود، انما يتخلف في يثرب ليموت عند اخواله من بني النجار . وقد عرفت زوجه بعد ان ارتحل عنها انه قد حمّلها امانة ما زالت تحملها في جوانحها ، حتى اذا جاء امر الله ادت هذه الامانة . ومن يدري ! لعل عبد الله لم يوجد الا ليودع هذه الامانة عند زوجه ! ومن يدري ! لعل آمنة لم توجد الا لتؤدي هذه الامانة الى الناس !
وكان الشيخ اذا فكر في هذا كله لم يملك نفسه ان يرى ابنه شديد النشاط ، عظيم القوة ، رائع الشباب ، بارع الجمال، يستقبل السفر بأمل لا حد له ، ثم يراه نحيلاً ، هزيلاً ، شاحباً ، متهالكاً ، محزوناً ، يمرض على فراشه عند بني النجار ، ثم يراه وقد دنا منه الموت مكابراً مكاثراً ، فاستله من الحياة او استل الحياة منه ، كأنما يثأر لنفسه من تلك الهزيمة التي اصابته يوم الفداء . فكان الشيخ يستسلم لحزن عميق لا يخرجه منه الا اضطراب الناس من حوله ، والحاح الناس عليه ، وفيهم ابناؤه وبناته ، فيما كان يشغلهم من الامور .
وكانت آمنة ترى نساء قريش ونساء بني هاشم من حولها ، ييسمن للايام ويتهجن للحياة ، فيعجبها ذلك منهن ، ولا يداخلها حسد لهن او ميل الى مشاركتهن . كانت تحس احساساً قوياً ، ولكنه غامض ، بان الايام قد وقتها حظها من الغبطة وقسطها من النعيم في ذلك الوقت القصير الذي قضته مع زوجها منذ لقيته بعد الفداء الى الرحيل .
وكانت تريد ان تسعد بالتفكير في هذا الجنين الذي تحسه يضطرب في احشائها، ولكنها لا تلبث ان تذكر زوجها وانه قد حرم السعادة بهذه النعمة ، فذكره ان تستأثر من دونه بالخير ، وتتحدث الى نفسها بان الاستمتاع بالابناء والبنات لذة لا يستبد بها الفرد ، وانما هي مشتركة بين اثنين، فاذا ذهب احدهما ثقلت على الآخر وشق احتمالها عليه وكانت مصدر ألم وحزن، ولكنها مع ذلك لم تكن تجد هذا الألم الممض الذي كانت تقدره وتنتظره ، كأنما خلقت نفسها مذعنة ، وكأنما فطر قلبها على الرضاء ، وكأنما استيقنت ان حياة الاحياء عبء يجب ان يحمل ، سواء رضي الناس ام سخطوا ، وان احتمالهم مع الرضاء والاطمئنان خير من السخط الذي لا يجدي، والثورة التي لا تفيد .
على ان الايام لم تكن تتقدم بآمنة نحو ذلك اليوم المشهود ، حتى يغمرها شيء يشبه نسيان النفس والانصراف عن الشعور الواضح بالحياة والتفكير الجلي فيها وكانت تنفق نهارها ذاهلة أو كذاهلة ، وتنفق ليلها في نوم هادي، حلو الاحلام . وما اكثر ما كان يزورها من حلم ! وما اكثر ما كان يلم بها من طيف ! وما اكثر ما كان يلقى اليها من حديث ! حتى اذا كانت ذات ليلة تتهيأ للخروج من ذهول النهار والدخول في هدوء الليل ، احست بعض ما يحس النساء حين يدنو منهن المخاض.