الطيب ابن الطيبين، ذلك الذي لم يتحول عن عروبته قط فلا استترك يوماً، ولا تفرنس، ولا القى نفسه وتخلق بخلق غيره... ذلك الذي لم يجرحه عن مطمحه بالاستقلال ارهاب مخيف ولا حوله اغراء ولا قضى على وعيه وحفيظته دعاة الاجنبي ومكر الماكرين، ذلك الشعب الذي لم يرهب ولم يفر بل حمل التضحيات الكبرى في ماله ودمه، وصبر على العنت صبراً لبنانياً عربياً حتى اظهر ارادته بالحرية على كل ارادة اخرى وقضى بوعيه وسعيه على كل مسعى آخر، ذلك الشعب هو الذي حقق هذا اليوم وجعله عظيماً لانه له ومنه.
عظمة هذا اليوم انه وليد ارادة الامة، وانبثاق طبيعي عن خصائص لبنان العربية الاصيلة والتي وان كبتت ردحاً من الزمن بفعل النفوذ الاجنبي السياسي والثقافي وغيره، فانها بقيت وطيدة الاركان في ارضه مثلما بقيت وطيدة في الدماء المترددة في عروقنا، ومثلما اقامت روحاً حية في افئدتنا وشماً في ذرى لبنان وانوف بنيه.
هذا اليوم ما بعده، ان يوم الجلاء نهاية الاستعمار وبداية الانشاء. ومن اجل الانشاء يجب ان تتوافر قوانا وتتكافأ جهودنا وتنظم بقيادة اولي الامر منا وعلى رأسهم فخامة رئيسنا المجاهد الفذ المحبوب، كيما نستطيع ان ننقل الى الاجيال المقبلة لبناننا العزيز وهو اسعد حالاً واكثر نعمة ورفاهاً واعز جانباً، وكيما يطرد نموه عبر الزمن جيلاً بعد جيل.
هدفنا بعد الآن ان ننشيء كياناً قومياً نبنيه على اسس العدل والتسامح والتعاون والجد، ننعم به، وبه نعتز اذ اياه ننشد.
عظمة هذا اليوم انه من ارادة هذا الشعب وسعيه لبى به نداء الحرية. وعظمته انه نداء من الامة من اجل انشاء كيانها القومي المنشود فهي تحتفظ به وتذود عنه لانه قطعة منها ولانه راعي نفسها ومؤدى حسها ووعيها.
كلمة الآنسة
ابتهاج قدوره
ودع لبنان عهداً بغيضاً وهاهو يستقبل فجراً جديداً، فاذا بالوعي القومي يبعث ابناءه احياء رجالاً ونساءً، واذ بالوطنية تسود وتقود جاعلة من لبنان وطناً مقدساً وكياناً ممجداً له النفوس والارواح فداء.
وقفت على عتبة الحياة الجديدة ناظرة الى الماضي القريب متطلعة الى المستقبل المنتظر. رأيت لبنان وقد اجتاز مراحل الخطر وتغلّب على الصعوبات والعقبات يحتفل تخليداً لبعض الذكريات والمناسبات، وقفت متسائلة ما عساني فاعلة في عيدك يا لبنان وما استطيع تقديمه لك هدية العيد وانا ملكك يا وطني فليس لي الا الرجاء والتمني فتقبلها مني وحسبي الصدق والاخلاص. اما الرجاء والتمني فاشرك بها ابناء وطني او ليسوا السبّاقين الى كل مكرمة، المتبنين كل فكرة تحمل الخير الى لبنان؟
تكاثرت اعيادنا وتعددت افراحنا، جعل الله كل ايامنا هناء. انما لا بد من القول اننا نعيد لذكرى الاستقلال مراراً ونعيد للتحرر مراراً،
او ليس الاجدر بنا ان نحتفل بالاستقلال في تلك الذكرى الخالدة يوم تنادى رؤساؤنا الثلاثة الكبار وتعاهدوا على تحرير لبنان، يوم استضاؤا بنور الحرية وكانت الوثبة الجريئة يوم خلع الانتداب يوم مزق صك العبودية ابطالنا الاحرار فكان لهم ما ارادوا واصبح لنا وطن وعلم وكيان.
وهل الجلاء ايها المواطنون الكرام غير تنفيذ لما شرعه وفرضه
ابطال الاستقلال وحماة الوطن؟ فجلاء الاجنبي عن ارضنا امر مفروغ منه وحق سجله لنا العدل والانصاف. انما هناك جلاء لا بد من التحدث عنه وهو جلاء الغموض والابهام من ابناء الوطن ليتعاونوا معاً على خدمته والذود عن كرامته. هو جلاء المنازعات والاوهام، هو التعرف الى الحقيقة ليتم الانسجام بين جميع الهيئات وكلهم ابناء لبنان ومجمعون على حب لبنان. انا لا اقول بصهر الاحزاب جميعها في بوتقة واحدة فذلك بعيد التحقيق صعب المنال لا بل ليس بالامكان، فالاحزاب تسهل الاتصال لجميع ابناء البلاد، فهي تنظيم وتوجيه للوعي القومي والجهاد الوطني ولكل حزب مبرر يمده بارشاده ويقوده في اتجاهه نحو الصواب. انما يؤلم المرأة التزاحم والتطاحن بين الاحزاب، يشق على المرأة التباعد والتنافر بين شباب لبنان، يدمي قلب المرأة ان يقتتل فريقان من الاخوان، هلا فكر الواحد منها بأن الثاني هو ابن لبنان فلمَ يختصمان وقلب كل منهما عامر بالايمان؟
فالمرأة تناشدكم اليوم، بأسم الوطن، جلاء الخصومة والاختلاف.
فهذا الجلاء، فهذا العيد له، وهذا السبيل الى المجد، الى العلاء. الا فكروا بتوحيد الاهداف لبناء المستقبل وتعاونوا في وضع منهاج العمل للوصول الى الهدف واحد ولو اختلفت السبل وتعددت الاسماء. لقد جلا الاجنبي عنا فلا تخلقوا اجنبياً منا. فلم يبق بيننا غرباء ولا دخلاء فكلنا ابناء لبنان والكلمة لنا سواء.