لايواء عشرات بل مئات المرضى الذين ضاقت بهم مصحات جبال بيروت. كان صاحبي هذا في منتهى اللطف عندما ايقظنا: انا وصديق ثالث في الساعة الخامسة من صباح اليوم التالي لوصولنا، لاستكشاف (الجرد) قبل ان تدركنا شمس آب بحرها. كما كان لطيفاً عندما كان ينتظرنا كي نلحق به، وانى لي ان أباري الجبلي في الصعود وانا ابن السهل الذي لم يألف صعود الجبال فضلاً عن انحراف صحتي يومئذ. ومع ذلك استطعنا ان نصل الى (الغرس) فوجدناها بقعة جميلة تمتاز بمناظرها الخلابة وهوائها الجاف وبقرب الماء اليها وغير ذلك من الاوصاف التي يجب ان تتوفر في المشروع الذي نحن بصدده.
لم يشأ صاحبي ان يتركني اعود بعد الفراغ من مهمتنا دون ان يعرفني بشخصية فذة قد تكون في عيشها الهادي مغمورة في هذه الايام ولكنها لن تكون كذلك ابداً في المستقبل. وقد يطول بنا هذا المستقبل الى ما بعد سكونها الابدي غير ان آثارها الخالدة ستنطق بمزاياها الفنية الرائعة. هذا بلاؤنا في الشرق لا نقيم وزناً لنابغة الا بعد ان يطوي الدهر صفحتها... عندئذ تتبعه الصحف وتبكيه الاصدقاء وتحيي ذكراه الهيئات العلمية والادبية وغيرها... بعد ان تنكرت له في حياته واهمله المسؤولون. زهد فناننا في حياة الترف التي يحياها اقرانه ابناء الذوات في المدن، هجر بيروت عروس شرقنا العربي بعد ان عافت نفسه ضوضاءها وفضول ابنائها وهو سليل بيت اشتهر بالسياسة والدين. هجرها الى الريف حيث الهدوء والراحة والطمأنينة او قل ان شئت حيث العمل الصامت لاشباع هواه من فنه وعلمه وادبه حيث لا يزعجه احد بفضوله وتطفله،
الى قرية نائية له فيها جزء يسير من الارض..
وهكذا كان هدفنا ان نعكر على الفنان صفوه ونغزوه في صومعته التي اقدر لها ان تكون مزاراً يضاهي متحف جبران في بشري ان لم يتفوق عليه لاسباب ستتضح لك يا قارئ عند فراغك من هذه الكلمة.
اعتقد ان فناننا لم يختر صومعته حيث انشأها لهدوئها فحسب لان قرى لبنان بجملتها هادئة... لكنني ارى انه وقع اختياره عليها وهو الخبير في هذا الباب

لانها بعيدة عن طريق السيارات ولانها تمتاز بمناظر خلابة تذكي في نفسه نار الفن وتلهمه وحي الفن، فاذا بهذه الصومعة قسم من الفن بل كل ما فيها شاهد ناطق على عبقريته.
تدخل اول ما تدخل الصومعة تقابلك فتاة وضعت سبابتها على فمها مشيرة اليك بالصمت... وما هذه الفتاة سوى حجر اصم بني من جدار الناحية الشمالية وفوق
الباب تماماً استطاع ان ينطقه بشكل رمزي بديع.
تلقانا بوجه باش غضنته السنون... والهموم ان جاز لي ان افصح عما تركته نفسه الطموحة من انطباع في نفسي. ورحب بنا اجمل ترحيب ولا اغالي اذا قلت ان سروره ازداد واغتباطه عظم عندما قدمني صاحبي اليه اقدم اليك الاستاذ فلان... من العراق. لقد كان كريماً جداً عندما اجاب على كل سؤال وجهته اليه. ومع كوني لا استطيع ان ادعي الفن لكنني اقول صراحة بأنني اتذوقه واقدره واشجع ذوي المواهب والملكات للمضي في عملهم لتحقيق الاهداف السامية التي يسعون وراءها. ولما تلمس مني ذلك اخذ يطلعني على اعماله التي يحق لي ان انعتها بالجبارة، تلك الاعمال التي انجزها خلال عام وبعض عام. لم يترك اثراً من آثاره في النحت الا اخبرني بقصته... وان انس فلا انسى تمثال البنت العارية الذي نحته على الحجر الاصفر تحت الواجهة الامامية للجسم فقط تاركاً اطاراً جميلاً حوله من الحجر الخشن غير المصقول... كم وددت اقتناءه غير ان اللسان لم يسعفني للافصاح عن بغيتي فهمست في اذن صاحبي راجياً ان يسأله كم يكلف صنع تمثال كهذا. ولما تنحى به جانباً وجه اليه سؤالي... سكت برهة... ليقول لي: ارجو ان تشرفنا بزيارة نهار كامل وساعد لك طعاماً بسيطاً للغداء... فيكون بوسعي ان اصنع تمثالك... واقدمه هدية الى ابن العراق.. بالله ما اكرمه! يصنع لشخصي تمثالا! وما بي حاجة بسوى ذلك الذي تخيرته. عقد لساني كرمه فلم استطع ان افصح عن رغبتي الحقيقية بل اكتفيت بشكره ووعده.
