
لا أغالي اذا قلت ان اكثر الذين يطرقون موضوع المرأة او حالتها النفسية وتقلباتها الى آخر ما هنالك من المواضيع التي تتفرع من هذا الباب كثيراً ما يشط بهم القلم لأنهم يكتبون بوحي العاطفة المجردة. والعاطفة اشبه شيء بعاصفة هوجاء، فما ان تهب بقوة جنونية وتهدم ما تهدم حتى يعقبها الهدوء والسكينة. ولكن اذا قلنا ان اكثر الذين يكتبون عن المرأة انما تدفعهم الى ذلك عاطفة قوية جامحة او ميل الى التودد اليها وكسب رضاها لا يعرف حداً. فهنالك من يكتب مستنداً الى العقل والمنطق ولكن العقل والمنطق لا يكفيان اذا عولج الموضوع من ناحية دون الاخرى. فالمرأة انما هي مكملة للرجل فلا يجوز اذن ان نبحث في شأنها مجردة بل يجب ان نقرن كل ما نقوله عنها بما نعرفه عن الرجل وعند ذاك نصل الى بغيتنا.
والغريب في الأمر ان كبار الكتاب ممن طبقت شهرتهم الآفاق وغدت كل كلمة يخطونها بمثابة حجة دامغة لا تقبل الرد عالجوا موضوع المرأة مجردة عن الرجل، ولذلك تناولوها في كتاباتهم واحاديثهم باوصاف غير مأنوسة كقولهم خداعة ... ملوّنة ... سر غامض ... الى آخر ما هنالك مما لا يقره الذوق السليم. وجاء بعدهم من جاء ناسجاً على منوالهم مما زاد في الطين بلة وكاد الناس يجمعون على هذه الاقوال لو لا نفر قليل ... قليل جداً. فماذا هو مقدار صحة كتاباتهم في هذا الموضوع؟ وهل تنطبق الاوصاف التي الصقها الكتاب بالمرأة على الرجل دون غيره؟ وكيف يمكننا ان نتوصل الى معرفة حقيقة الواقع؟
لا شك في ان ما اوردناه سابقاً يدل دلالة واضحة على بطلان المزاعم التي جاءت
في كتابات مشاهير الكتاب بشأن المرأة، ذلك لانهم عالجوا موضوعها اما بدافع العاطفة فجاء اكثره افتراء مقصوداً او تزلفاً فارغاً او انهم طرقوه من ناحية واحدة فكان وحيد الطرف لا يعتد به. والآن سنحاول ان نعرف فيما اذا كانت الاوصاف التي الصقها الكتاب بالمرأة تنطبق على الرجل. ولذلك سأسرد بعض الحوادث الواقعية التي سمعتها من صديقات عديدات تاركاً الحكم للقراء الكرام.
روت لي صديقة قالت:
قبل زواجي بمدة سنة تعرفت في بيت اقاربي بشاب جميل الطلعة قيل لي انه يتمتع بقسط وافر من الثقافة فلم يكن مني وانا الفتاة التي تجل الثقافة الا ان اطريت خصائله ومحامده بعد ان سمعته يتحدث عن نفسه بكثرة والحاح. غير انه اجفل وولى الادبار ولم اعد اراه منذ ذلك الحين فما الذي حدث ياترى؟!! لقد اتضح لي ان الرجل يخاف اطراء المرأة فيجفل منه ويخشى اهمالها فيبتعد عنها. وفي كلا الحالين لا اعرف ماذا يريد الرجل. انهم لعمر الحق سر غامض ...
وذكرت لي صديقة قصة جرت لها منذ زمن قصير قالت:
انت تعلم انني احببت زوجي محبة ليس بعدها محبة واغدقت عليه من نفسي وما املك فوق ما يتصور العقل حتى سمعته يوماً يقول «ابى آدم هذه النعمة علي» ولا اغالي اذا قلت انه كان يجفيني حتى العبادة. وفي احد الايام لحق باحدى الغانيات دون ان يوجه الي كلمة او يعتذر. وقد تبين لي في النهاية ان الرجل يخاف النعمة كما يخشى الفقر وانه كالريشة
في مهب الريح لا يعرف اين يستقر. ان الرجال لحونه وانهم لمراؤون.
واخبرتني سيدة قصة زوجها قالت:
لا اعرف والله ماذا يريد. انه لغز عويص. فحيناً يتراءى لي مخلصاً واحياناً خداعاً ومع ذلك لا اعرف كيف اعالج غموضه. ففي احد الايام تلقينا دعوة لقضاء سهرة في احد مرابع المدينة فارتديت احسن ما عندي وكان ثوباً احمر يستلفت الانظار. ولكن زوجي ما كاد يعود من اعماله ويراني على تلك الحالة البهجة حتى رفض الذهاب منتحلاً الاعذار، فصدقته، وما كدت ابدل ثوبي حتى عاد اليه عزمه السابق وطلب الي ان ارافقه دون ان اعلم السبب. وفي اثناء السهرة اخذ يحدق بالسيدات اللواتي كن لابسات الفساتين التي تستلفت النظر بطريقة جعلتني ادرك سبب رفضه بادئ ذي بدء وقبوله في النهاية. ولعمري ان الرجال لمراؤون جشعون ومع ذلك ...
تلك هي بعض القصص الواقعية المنتزعة من صميم الحياة وهي ان دلت على شيء فانما تدل على غموض الرجال وتلوّنهم وجهلهم بانفسهم وبالمرأة وانطباق الاوصاف التي الصقوها بها عليهم. ولا شك في ان نظرية اوسكار وايلد في المرأة هي اصدق النظريات، فلقد قال فيها: «ما المرأة الا صورة من الصور، والصور تنظر وتفهم، انما اللغز هو الرجل، وانه للغز عويص، واذا اراد الرجل ان يكشف عن حقيقة ما تقصد اليه المرأة من وراء ما تتفوه به فما عليه الا ان ينظر لا ان يستمع اليها».
نكرة من النكرات هو الرجل. نكرة من النكرات وسر غامض ولغز

