نحن في تأرجح دائم لا نعرف الثبات ! أننا أشبه بريشة في مهب الريح أو بحصاة يجرفها تيار هائج ، فلا هي باقية في محلها القديم ولا هي واصلة إلى مركزها الجديد إلا بعد اضطراب وتشويش متصلين ولربما تصرم العمر منا ولما نصل إلى القرار المكين ...
« حبذا لو خلقنا قبل خمسين عاماً أو أكثر ! » تلك جملة سمعتها من أفواه العشرات من صديقاتي وكن يرددنها بإخلاص ، لأن جداتنا كن في نعيم . وما النعيم في الحياة الدنيا إلا في قناعة العيش واستقراره . ولكم سمعنا من جداتنا وأمهاتنا الأحاديث الشيقة عن حياتهن التي ، وإن كانت في مرأى العين خالية من وسائل الرفاهية والراحة التي نجدها اليوم ، فإنها حياة هانئة رغدة ، كن يأسفن على مضي أيامها ولياليها ، ونحن كلما انقضى عام توقعنا أن نستقبل خيراً منه وإذا به أمر ما مضى ...
كانت جداتنا في ليالي الشتاء الطويلة يسهرن مجتمعات مرحات ، يصلن فصول الليل بين السماع إلى صوت جميل وآلة شجية تارة ، والاستماع إلى قصص الأولين ونوادرهم الممتعة أخرى ، حتى يطلع الفجر عليهن ، فيعجبن من سرعة انقضاء الليل ثم يصلن نهارهن بليلهن فيأخذن المأكولات ويذهبن للنزهة في أحد البساتين الشهيرة ، ثم يعدن إلى دورهن ظهراً وقد جمعتهن « الصبحية » ! .. أما نحن فننتظر بفارغ الصبر الزوال في ليالي الشتاء ، وما أن ينشر الليل رداءه القاتم حتى تظل صدورنا غيمة سوداء ، فنلجأ إلى فراشنا في التاسعة أو العاشرة أن سهرنا ... كي نستسلم للنوم فنغيب عن الحياة المملولة ونحن أشبه ما يكون بالأموات ! وإن اتفق وسهرنا في حفلة فرح أو سينما عدنا منقبضات الصدر مكتئبات من فقدان التآلف الذي ننشده ومن كثرة الانتقادات التي نسمعها !
ونحن نعيش في عصر اجتمعت فيه أسباب الرفاهية والراحة والتسلية ولكننا فقيرات إلى الإصابة من ذلك !
إني أتكلم عن الحياة الاجتماعية في الشرق وفي يومنا هذا ، لأننا تحت تأثير تيارين جارفين : تيار المدنية الصحيحة والحضارة الحقة ، وتيار التقاليد البالية والرجعية العمياء !! وهذا ما يكبلنا وينغصنا ، فلا نستطيع أن نماشي روح العصر ولا نتمكن من مجاراة عادات الأولين !
أفهم من الحياة الاجتماعية العصرية ، الحياة المبنية على أسس التهذيب العالي والأدب الرفيع ، والتي تنقسم أوقاتها بين ميادين الأعمال الحرة الشريفة للجنسين وأوقات التسلية البريئة في حضور الاجتماعات العائلية الراقية المختلطة لأنها من الدروس الاجتماعية التي تهذب كلاً من الجنسين ، وارتياد نوادي الرياضة المفقودة عندنا والتي نحن بحاجة إليها لنجني ثمراتها الجسمانية والعقلية ، وحضور المسرحيات والأفلام التاريخية والأدبية والفنية العالمية ، حضوراً صحيحاً للإصابة من لباب ما نرى ونسمع لا ابتغاء الظهور والتبجح ! ولكن الكثيرات بيننا يفهمن الحياة العصرية « المودرن » بمعناها المشوه فيحسبن أن الحضارة والمدنية هي في ارتداء الأزياء الغربية والإفراط في التزين والتبرج ، وفي ارتياد مجتمعات الرقص واللعب والشرب مع إرسال الستار على لغتنا القومية وتراثنا التاريخي والأدبي وماضينا العربي المجيد !
كلا ثم كلا ! نحن نستطيع أن نوفق بين حياتنا القومية العربية وبين مقتضيات الحياة الجديدة ، وأن نظل محافظات على صبغتنا الشرقية وأن نتبع التطور الحديث فيما يتلاءم مع حياتنا الخاصة وبيئتنا المحلية . ولكن ... ولكننا لا نزال في دورنا الانتقالي الخطير ، وقد زاد في خطورته من فهم الحياة المعاصرة فهماً ناقصاً مبنياً على القشور ... لأن الحياة العصرية الحقة ليست كما يظن الكثيرون ولا كما يطبقها القسم الكبير من الغربيين أنفسهم فيحسبونها حياة الخلاعة والبذخ والفجور والفسق ، لكنها الحياة العملية الناجعة والاجتماعية الراقية التي يمارسها سراة القوم ونبلاؤهم « الطبقة الأرستوقراطية » سواء في أوروبا أو في أمريكا أو غيرها .
ونحن لا بد واصلات إلى الاستقرار في حياتنا ولكن متى ؟ .. بعد أن نفنى وتبلى عظامنا ، نحن شابات هذا الجيل ، فينعم أولادنا على آثار شقائنا ؟ ! وأنا واثقة من أننا لو لم نتعلم ولم نتصل بالغرب ولم نفهم روح العصر فهماً صحيحاً ، وضرب بسور بيننا وبين الحضارة الحديثة لما تشوقنا إليها وما آلمتنا نزعاتها ولا عابتنا فتنها وبهرجاتها وكنا سعداء في أنفسنا وفي قناعتنا ! وفي فترة انتقالنا هذه أرى أننا كبش المحرقة للأجيال القادمة ، أسيرات العادات والتقاليد السقيمة في قفص مرصع بالأحجار الثمينة وقضبان الذهب الرائعة . فهل نحن قاضيات العمر في هذا الأسر أو سيأتينا الفرج فنطلق من قيودنا ونخلق في أجوائنا ، أجواء السعادة والهناء التي ترتضيها تقاليدنا القومية وأحكام ديننا القويم ؟

