كلما تحدثت الى احدهم عن « فنست فان كوه » رأيته يزم شفتيه فتتقلص عضلات وجهه محاولاً ان يخفي ابتسامة استهزاء وسخرية . ولكن هذه الابتسامة تفوق محاولته دائماً فتبدو مشوهة بالها .
والحديث عن « فان كوه » ، مشعب صعب لانه حديث عن حياة رجل آمن ثم كفر ، وعقل ثم جن ، واقتفر بعد غنى ، ثم لم يجد بداً من التنحي عن ظلم الحياة وقسوتها والهرب من معاكستها الجائرة فأودى بنفسه عن طيبة خاطر ورضى . فعظمة هذا الفنان لا تتجلى ، كعظمة غيره من الفنانين ، في لوحة واحدة من صوره ، ولكنها منتشرة في اعماله كلها وفي حياته بوجه خاص ، لان حياته وعمله ، بما فيه الرسوم واللوحات ، وحدة متماسكة الاجزاء متراصة ، لا تقوى على فهم واحد منها الا بفهم الآخر . فاذا اردنا ان نعي ما تحتويه لوحاته ، كان علينا في الوقت ذاته وقبل كل شيء ، ان نعي الساعة التي صور فيها هذه اللوحات ، والمكان الذي اوحى اليه بما اوحى ، والحالة النفسية التي كانت تعتريه اذ ذاك . فاذا علمنا مثلاً ان عواطف هذا الانسان كانت جامحة متقدة ، وان الدوافع النفسية الكامنة فيه ثائرة هائجة ، واذا ادركنا انه لم ينعم بحب صادق طيلة حياته - وهو الذي يعتبر ان الحياة بلا حب خطيئة خارجة على الاخلاق - وانه لم يستطع ان يجني درهماً واحداً بالرغم من مجهوده المتواصل ، فهمنا لماذا تسيطر الانوار البراقة في معظم لوحاته ، ولماذا اكثر من استعمال الالوان الحارة المتوقدة ، ولاي سبب ثابر على التصوير مثابرة جنونية ، ترويحاً عن نفسه المعذبة ، وتلطيفاً لآلامه المتراكمة .
وقد عاش كل ايامه بين الطبقات الفقيرة من عمال المناجم والفنانين المنبوذين الذين غدوا بعد ذلك من اساطين الفن الحديث ، وبين اصحاب الحوانيت الصغيرة والفلاحين . فكان لهذه البيئة الساذجة البسيطة أكبر الاثر في فنه حتى ان الساذجة والبساطة صفتان ملازمتان لكل اعماله الفنية تقريباً . واراد ان يضفي على صوره صفة الحركة الدائمة ، تلك الحركة التي كانت على اشدها بين تلك الطبقات من الشعب ، والتي كان يشعر بها تدب في اعصابه ، حتى اذا صور الشمس ارادها ان تحدث في الناس شعوراً واضحاً بانها تدور بسرعة فائقة
وانها تنشر الانوار من حولها على العالم قاطبة . واذا صور الزرع احسست بالزرع الناضج يهتز مع الريح ويتمايل ويجتهد في النمو والارتفاع واذا صور انساناً صوره على علته وحقيقته - كما كان يفعل « رمبرانت » من قبل - فلا يحسم بظهره ، او يخفي غباوة واضحة ، او يجذب قبحاً ظاهراً . وتبدو هذه الحقيقة جلية في اللوحات التي صور فيها نفسه ، فتراه في بعضها وعلى محياه سماء البله ، وفي غيرها ساذجاً يستثير الرحمة والشفقة ، وفي معظمها رجلاً فشل في كل شيء ، ينتصب امامك كأنه كهل يحمل هموم الدنيا ومآسيها . ونظرة واحدة للوحة صور فيها حذاءيه تظهر لك خوافيه وتحدثك عن ماضيه ، عن هذا الحائر المتعب اين ولد ، وكيف ولد ، ولاي امر ولد . ولكنك ، فوق هذا كله ، تراه في لوحتين او اكثر شاباً متوقداً ، مؤمناً بنفسه ، في ملامحه هدوء وحكمة ، وعلى فمه صلابة العزيمة والثقة بالنفس . هذا كله سجل صادق للاطوار النفسية المتعددة التي كان يمر بها هذا الذي خلق على شاكلة البشر وليس منهم .
وقد تحدث عنه الكثيرون ، وكتب احدهم سيرة حياته ، وكتب هو عن نفسه الشيء الكثير ، فكان ذلك نواة لمجموعة من الكتب والقصص والمقالات .
وترك « فان كوه » ما يقرب من ستماية لوحة زيتية ملونة خلد فيها فنه الذي ينقسم الى ثلاثة ادوار : دور الفن الهولندي حيث تتغلب الالوان المعتمة على غيرها ، ثم الدور الفرنسي وهو دور انتقالي قصير ، فالدور البروفنسي وهو اهم مراحل فنه واخصها . ويتميز هذا الدور الاخير بالالوان البراقة الزاهية والحرارة الملتهبة . فكانت لوحاته انعكاسات صادقة امينة لذلك الشعور الثائر الذي كان ينبعث في نفسه ويشملها ؛ ولذلك الصراع المتحكم بين عواطفه الجامحة وقوى المجتمع الرادعة ، فاضطر ان يحتسي الخمر محافظة على هيجان اعصابه فيستطيع تصوير ما يجول في خاطره من الرؤى الغريبة الثائرة .
وكانت نهايته خير دليل على الصلة الوثيقة بين فنه وحياته . فكان يودع كل لوحة من لوحاته قسماً من نفسه ، حتى ان احد معاصريه كتب عنه يقول :
« اننا قلما نجد فناناً واحداً قدم من دمه وقلبه كما فعل « فان كوه » .
وتحدث عنه « غاشت » طبيبه الخاص الذي رافقه وآواه في ايامه الاخيرة فقال :
« اننا لن نكون على صواب اذا استعملنا التعبير ، حب الفن ، في حديثنا عن « فان كوه » بل علينا ان نقول انه آمن بالفن ايماناً حمله على درجة الاستشهاد » .
وليس هذا بغريب ، فقد كتب « فنست » عن نفسه الى اخيه :
« ان اعمالي اجزاء حية من جسدي وروحي وانني لاخاطر بحياتي ورشدي من اجلها » .
وقد صدق فيما ذهب اليه ، ففقد رشده يوم جن ، ثم فقد حياته حين انتحر .
ولا تحط هذه النهاية المحزنة من قيمة حياته الغريبة ، بل على العكس ، انما تدل على ان هذا الانسان استطاع ان يسير بعقله وعواطفه باسرع مما يستطيعه اي انسان اعتيادي آخر ، حتى ان الدماغ لم يقو على مجاراة ذلك العقل المندفع وتلك العواطف الثائرة فانخزم وتحطم .