من اعظم البلاء مشكلة انتقاء الاسماء ...
يتزوج الشاب وينتقل بعروسه الى كوخ صغير على كتف رابية ، تغرد في اجوائه عصافير الحب والسلام والطمأنينة ، وبعد شهرين او ثلاثة او اربعة ، وفي بعض الاحيان خمسة او ستة وربما سبعة ، تخبره عروسه بكثير من احمرار الخدين والغنج انه سيصبح اباً بعد مضي عدد من الشهور . « فيحلق » فيها قبل كل شيء ، غير مصدق اذنيه ، ثم تغمره الحقيقة بنورها ويعرف انه هو - ذلك الوحيد الفرد - سيصبح اباً لاولاد ، فيفتح ذراعيه ويضم عروسه الى صدره ، ثم يحملها الى اقرب مقعد او كرسي ويضعها عليه بكل رفق ويجب بها ان لا تتحرك ... ويأخذ بالرواح والمجيء امامها ، ينظر اليها تارة وطوراً يخرج من حلقه اصواتاً غريبة مثل « يه » واو ، فويت » ، ثم ينظر اليها ويضحك كالابله ، ويعود الى التخطير امامها ، محاولاً لف ذراعيه حول عنقه ، حتى يتعب ، « فيكعوك » رجليه على السجادة امام عروسه ويرخي عليها « دلاعته » . هذا هو الفصل الاول . ويتلو ذلك فصول كثيرة خاصة اذا كانت العروس من اللواتي « يتوحمن » او يشتهين اشياء عجيبة غريبة .
ولا شك في ان فصولا كثيرة تتابع بعد ما تخبر العروس زوجها بانها قد « خبأت » شيئاً . ولكن كل شيء يهون عندما يقارن
بالمشكلة الكبرى التي يواجهها الاب عندما تكون زوجته في شهرها السادس او السابع . ويتذكر فجأة ان عليه اختيار اسمين ، اسم مذكر وآخر مؤنث ، من باب الاحتياط للطوارئ . فيولع سيجارة ويجلس على اقرب مقعد ثم يحاول ان يتذكر عدداً من اسماء الجنسين التي تعجبه ، ولكنه يدهش لضعف ذاكرته ، اذ يجد انه ليس بإمكانه تذكر اكثر من خمسة او ستة اسماء فيعصر دماغه ويلتهم سيجارته التهاماً ، ولكنه يجد نفسه بعد وقت وجعبته لم تزل فارغة ، فيطفئ السيجارة بعنف ويعزي نفسه بان لديه متسعاً من الوقت لايجاد اسم او اسمين ...
وتمر الايام وهو يؤجل ويؤجل الى ان يرى نفسه ذات ليلة راكضاً بقميص النوم وراء « تاكسي » ليعود الى البيت وينقل عروسه الى دار الولادة ، ويضطر الى تسمية مولوده اسماً سهلاً ينتقيه عادة من لا يريد اتعاب دماغه - مثل اسم ليلى اذا كانت فتاة وفؤاد اذا كان صبياً ...
ها ها ! وصلت الان الى صلب الموضوع . داعيكم متزوج من مدة قصيرة وعروسي قد « خبأت » شيئاً . اقول هذا بكل تأكيد لثلاثة اسباب : اولاً لانها اخبرتني بنفسها . ثانياً لان الدكتور اخبرني ايضاً ، وثالثاً لانني قضيت اربعة اشهر اتحمل الامرين من « الوحام » وروائح المخلل والمكابيس والسلطة في غرفة النوم اذ كانت الزوجة الحبيبة تضع بالقرب من فراشها صحناً من كل نوع من المخللات احتياطاً لما قد تشتهيه منها في الليل ...
« بلا طول سيرة » اجد نفسي في الوقت الحاضر مضطراً الى التفتيش عن اسمين مناسبين كيلا يحشرني الوقت واجد نفسي ملتجأ الى « ليلى » او « فؤاد » او ما شاكل من الاسماء الجميلة ولكن السهلة ..
وقد وسوس لي القرد من مدة واستشرت زوجتي في الموضوع . فتركت شغل الصوف وضمت رأسها بيديها وجت . فسألتها عما بها فقالت انها تحاول البحث
عن اسم جميل . فلعنت الساعة التي أوقعت نفسي بها في هذه الورطة، ورجوت العروس ان تعود الى شغل الصوف وتترك لي مهمة ايجاد الاسم ، ولكنها هزت برأسها وظل نظرها متداً نحو الصين . ففتحت كتاباً وقرأت منه ثلاثة اسطر اربع مرات ، ثم اغلقت الكتاب وقمت الى غرفة النوم وتطلعت في المرآة وسويت ربطة عنقي ثم عدت الى غرفة الجلوس حيث كانت زوجتي . فبادرتني صائحة : « ندى . ندى » فقلت لها ان اسم ندى - اذا اطلق على طفلة ، يرن رنا جميلاً في الاذان ، ولكن الواقع ان عدداً من قريباتي يحملن هذا الاسم ، وانا افضل ان اجد شيئاً آخر . فعادت الى شغل الصوف وعدت انا الى عصر الدماغ . ثم امسكت ورقة ورسمت عليها خطاً يفصلها قسمين ، وكتبت على قسم اليمين من الاعلى : « بنت » ، وعلى اليسار « صبي » وكتبت تحت « بنت » ما يلي : هدى ، غانية ، غنى ، دلال ، حسن ، ملك وداد ، وتحت « صبي » : سهيل ، نديم ، فريد ، باسم ، هاشم ، زكي ، زاهي . وغت على المسألة ، كما يقولون . وفي الصباح قرأت اللائحة فلم تعجبني ، فمزقتها وقررت ان اكتب سواها في المساء . ولكن صدف ان اشغلت في المساء ، ولم اعد الى البيت الا في ساعة متأخرة . فذهبت الى الفراش فور وصولي ، ومضى الاسبوع والاسبوعان ، وها زوجتي في اواخر الشهر السابع ، وها انا لم ازل اكتب لائحة في المساء وامزقها صباحاً لأعود الى كتابة لائحة اخرى وهكذا .
حقيقة ان مشكلة انتقاء الاسماء هي مشكلة عويصة . ولكن القنوط لم يستحوذ علي بعد ، ولي وطيد الامل بانني سأوفق الى اختيار اسم يرفع به مولودي القادم رأسه ، ويشكرني دائماً ، ويردد في كل مناسبة : شكراً لوالدي الذي اتعب دماغه وفتش لي عن اسم جميل ولم يتكاسل ويسمي « فؤاد » مثلاً ، او « ليلى » ...

