وما في صنائعكم وضعة ؟ فقال : لا تقـل ذلك . فوالله لو رأيتنا معه لرحمتنا ورأيتنا نذوب كما يذوب الرصاص في النار .
ويتضح لمن يقرأ حياة اسحاق انه لم يكن بصاحب الصوت الذي لا يضاهى فيتدلل هذا الدلال ، بل كل المغنين كانوا احسن صوتاً منه على ما يظهر . كان في صوته عيب اضطره لاحداث ما يسمى « التخنيث » في الغناء ليوافقه ويشاكله . وكان في حلقه نبوّ عن الوتر . قـال ابن حمدون : ان اسحاق اول مـن جاء بالتخنيث في الغناء ولم يكن يعرف والغا احتال بحذقه لمنافرة حلقه الوتر حتى صار يجيبه ببعض التخنيث فيكون احسن له في السمع . ولم يضعف اهتمام الخلفاء بإسحاق حتى بعد ان كف بصره وشاخ .
اسحاق المغني
لعله من المستغرب أن نجد ان إسحاق كان يكره الغناء ومن يطلب منه ان يغني، وهو المغني الذائع الصيت ! كان يردد دائماً : « وددت لو ضُرب رأسي خمسة عشر سوطاً ، لا أقوى على أكثر منها ، ولم يقل لي غنّ » .
وكان يشهد له كبار المغنين ، ويقدرونه كل القدر كما مر معنا . حلّل محمد بن المحسن بن مُصعب غناءه فقال : « كانت صنعته محكمة الاصول ، ونغمته عجيبة التركيب وقسمته معدّلة الاوزان ، يجمع في صنعته حالتين : القوّة في الطبع وسهولة المسلك . وكان المغنون يلقبونه الملسوع ، لأنه يبدأ بالصياح في أحسن نغمة فتح أحد بها فـاه ، ثم يرد نغمته فيرجها ترجيحاً وينزلها تنزيلاً حتى يحطها من تلك الشدة الى ما يوازيها من اللين ، ثم يعود فيفعل مثل ذلك فيخرج من شدة الى لين ومن لين الى شدة ، وهذا اشد ما يأتي في الغناء واعز ما يعرف من الصنعة » .
وقال فيه ابن يحيى : « وكان اسحاق اعلم اهل زمانه بالغناء ... وقـد عارض
ابن سريج ومعبداً فانتصف منها ، وكان ابراهيم بن المهدي ينازعه في هذه الصناعة ، ولم يبلغه فيها ، ولم يكن بعد اسحاق مثله » وسئل اسحق مرة : أيها اجود : لحنك في « خليلي عوجا » ام لحن الواثق ؟ وكان الواثق عالماً بالغناء كل العلم ، فقـال : « لحني اجود قسمة واكثر عملاً ، ولحنـه اضرب لانه جعل ردته من نفس قسمته ، وليس يقـدر على ادائه الا متمكن من نفسه » . وليس في هـذا الجواب شيء من الاعتباط بل فيه دقة وتحليل بما يدل على علو شأن اسحاق في فن الغناء . وكـان النقاد يفضلون بعض الحانه على الحان ابن سريج ومعبد ، وهما من أئمة المغنين القدماء ، واسحاق يقول متواضعاً : « والله اخذت بزمامي راحلتيهما وزعزعتها وأنخت بهما فما بلغتها » وكان يضع الالحان معجزة للمغنين فلا يستطيعون تقليدها او اخذها عنه . ولم تبلغ اصواته اكثر من مئتي صوت .
الولد سر ابيه
واسحـاق سر ابيـه يتتبع خطواته ويتمشى على مبادئه . فهو مثله يقدر الجمال والكأس والشعر والغناء ، ولا يجيد الواحد دون الآخر . وله مجازفات غرامية ان قلت عن مغامرات ابيه بعددها فهي لا تقل عنها طرافة ومجوناً . كان يرسل المراسيل في طلب النبيذ المعتق من الامراء والخلفاء انفسهم . ارسل اليه مرة علي بن هشام نبيـذاً وقال : « قد بعثت اليـك بشراب اصلب من الصخر ، واعتق من الدهر ، واصفى من القطر » . وكان اسحاق يعطف على سقاة الخمرة وبائعيها وخاصة بائعاتها .
قال وقـد ظهرت خفة روحـه : « دخلت على الرشيد ، يومـاً ، في عمامة قد كورتها على رأسي ، فقال : ما هـذه العمامة ؟ كأنك من الانبار . فلما كان من غد دعا بنـا اليه فأمليت حتـى دخل المغنون جميعاً قبلي ، ثم دخلت عليـه في
آخرهم ، وقد شددت وسطي بمشدة حرير احمر ولبست لباساً مشتهراً واخذت بيدي صفاقتـين ، واقبلت اخطر واضرب بالصفاقتين واغني :
اسمع لصوت مليح
من صنعة الانبــار
صوت خفيف ظريف
يطيـر في الاوتار
فبسط يديه الي حتى كاد يقوم وجعل يقول : احسنت ، وحياتي احسنت ! احسنت ، حتى جلست ... ثم شرب عليه بقية يومه وما استعاد غيره وامر لي بعشرين الف درهم » .
قلنا ان اسحاق كان سر ابيه ، يقدر الشعر مثله ، وهو عاطفي مثله ، يحن الى اللحن الجميل ، ويهفو الى الوجـه المشرق الصبوح ، ويتأثر بجنـين « الدواليب » ، ويشرب حتى يطرب فيحمل سكران على الاكتاف .
غنى المـأمون بيتين في اللذات قال :
لأحسن من قرع المثاني ورجعها
تواتر صوت الثغر يقرع بالثغر
وسكر الهوى اروى لعظمي ومفصلي
من الشرب في الكاسات من عاتق الخمر
فقال له المأمون : الا اخبرك باطيب من ذلك واحسن ؟ الفراغ والشباب والجدة !!
أشهد ان المأمون كان اشعر !!
واخيراً ، وقبل ان أمسح القلم يجدر بي ان اذكر ، ان اسحاق جمع في شخصه الدين والدنيا ، روى الحديث ولقي اهلـه مثل مالك بن أنس ، وابن عيينه ، وابي معاوية الضرير ، وروح بن عبادة وغيرهم من شيوخ العراق والحجاز . وكان يقرأ القرآن على الكسائي والفراء وابن غزالة ، ويناشد الاصمعي وابا عبيدة .
ولد سنة ١٥٠ هـ ، وهي سنة ولادة الامام الشافعي ، وموت الامام ابي حنيفة ، وعمّر خمسة وثمانين عاماً ثم توفي في بغداد في اول خلافة المتوكل .
