آسف ان يحول العدد الخاص الذي اصدرته « صوت المرأة » بعيد الميلاد ورأس السنة دون ان اراجع لك، يا سيدتي، بعض الكتب التي اهديت الى مكتبتي. ففي مكتبتي هذه المرة مؤلفات جديدة جديرة بأن تكون في عداد الكتب التي تطالعينها وتزينين بها مكتبك. واولى هذه المؤلفات هي « شفاه غليظة » للاستاذ محمود تيمور. عدد الصفحات ١٢٦. الناشر مطبعة الاستقامة بالقاهرة.
لقد عرف قراء القصة في البلدان العربية محمود تيمور قاصاً بارعاً وروائياً من الطراز الاول لم يتعرف ادبنا العربي الحديث على نظير له.
وهذه حقيقة عرفها كل من تابع تيمور في تأليفه القصصية المختلفة. فلقد كتب نحو خمسة وعشرين كتاباً قصصياً تعد، بحق، ثروة ادبية ضخمة في ادبنا العربي الحديث.
تتألف هذه المجموعة من عدة قصص قصيرة منها : القبلة التائهة، ملايا الحب، حكام من السماء، ولي الله، كلب اسعد بك، قبلة الساق، ابو علي وزجاجة الكونياك، الطابور الخامس، البديل، وشفاه غليظة وهي اهمها في نظري وقد توجت المجموعة كلها بها.
ولا يتسع المكان لنقد هذه الحكايات حكاية حكاية واظهار مواطن الجمال فيها ولكن لا بد من لفت نظر القراء الى قصة « شفاه غليظة » ففيها تظهر اعظم مزايا تيمور القصصية. وهي الوصف الحسي الدقيق. ولكي يطلع القارئ على شيء من هذا الوصف اكتفي بسرد بعض تعابير المؤلف من وصف شفاه بطلة القصة.
اسمعه يقول على لسان بطل القصة بعد ان صادف صاحبة الشفاه في احدى المصارف وقد صدمته مرتين فأراد ان يحتج على تصرفها ولكنه وجد نفسه يسير بجانبها في اتجاه واحد :

» نراجع في هذا الباب كل ما يهدى الى
مكتبة « صوت المرأة » من المؤلفات »
« ورأيتني اسير واياها في اتجاه واحد من الطريق. كانت سمراء على شيء من الملاحة ترتدي ثوباً متواضعاً لا يدل مظهره على اليسر، وان احتفظ بظل من الاناقة والذوق السليم... لا يميزها عن مثيلاتها من يصابحهن عابر الطريق ويماسيهن الا سمة خاصة : شفتاها !.. اجل شفتاها، بيت القصد فيها ... كانتا شفتين غليظتين لا اراهما منطبقتين لحظة بل متفرجتين ابداً، تسمحان لحظ ابيض من الاسنان ان يكشف عن تألقه وتناسقه ... وانك اذ تنظر الى الشفة العليا منها تلحظ على الفور كأنها تحاول دائماً ان تنأى بنفسها عن رفيقتها في اباء وترفع، ولقد تركز هذا الترفع والاباء في نتوء يتوسطها، نتوء يماثل من وجوه شتى حكمة الثدي يجتذبك بتكوينه الفني ويرغمك على ان تدمن النظر اليه ... »
« ونظر كل منا الى الآخر، ثم استرسلنا في قهقهة « عالية » وجدتني اثناءها ارنو الى شفتيها الغليظتين وهما تلتطمان وتتدافعان، وارقب في شغف ذلك النتوء الجميل، حتى وددت لو طالت ضحكتها وقتاً ... »
وطال الحديث بينهما فأخذ يحدثها « وعيناه لا تفارقان شفتيها » ولم تكن ذات الشفاه الغليظة سوى لصة سلبته محفظة نقوده وتركته وحيداً في المقهى، ورغم ذلك لم يستطع، وكأن قد وقع بصره على فم « غليظ » منفرج الشفتين
يتوسط العليا منها نتوء ملحوظ في مجلة تقيم مسابقة للشفاه، والا ان يقص صورة ذلك الفم ويضعها في قاموس على مكتبه. وكثيراً ما كان يجد نفسه منساقاً، على الرغم منه، لفتح القاموس والتأمل ملياً بتلك الشفاه الغليظة تلك الشفاه التي ما كان يتورع عن وصفها بأقبح النعوت واسمج الصفات : « شفاهك ؟ ... ها ! ها ! ... شفاهك الغليظة المتورمة المدلاة كشفاه اقبح الزنوج ... ؟
اما هذه الشفاه، وتأثيرها على صاحبنا المحامي بطل الحكاية والى اي نهاية اوصلته فلا احدثك، يا سيدتي، بشيء من ذلك خوفاً من ان افقدك لذة قراءتها قراءة كاملة في الكتاب. وفي الكتاب جملة من الحكايات تستحق ان تقرأ بلذة وشوق.
وفي مكتبتي يا سيدتي كتاب جميل آخر للاستاذ تيمور هو : « هواء الخالدة » وهو رواية تمثيلية بطلاها عنترة وعبلة شخصيتان كبيرتان من تاريخ العرب القديم. اما المؤلف فلم يتبع في هذه الرواية السياق التاريخي المعروف عن عنترة وعبلة ولم يتقيد بالحقائق التي تقول بها المصادر التاريخية عن هذين البطلين ولكنه صور لنا عبلة فتاة عصرية، مرحة، مغوية مغرية، تحاول، رغم ما تكنه من حب واعجاب لحبيبها عنترة، ان تظهر له عكس ما تبطن.
فهي محبة للشهرة لانتفاً تطلب ان « يصبح اسمها ملء الدنيا وشغل الناس ». وهي تتظاهر بحب الامير عمارة خصم عنترة ومنافسه على قلب حبيبته وما ذلك الا لتزيد في نكاية هذا الحبيب. وهي تلهو بقلوب الفتيان رغم انها اصبحت في سن الزواج، ورغم اعجابها الشديد بذلك الفتى الاسود. وعندما تتهمها هند احدى رفيقاتها بأنها تزاحم صديقتهما دعجاء على قلب الامير عمارة تجيبها عبلة : « ما سلبت ولا زاحمت ! ... عنترة هو الذي اقبل علي »
