تتمة المنشور في الصفحة ٣
هناك دعت إليها من حضرهما من نساء بني هاشم، فأسرعن إليها وقضين معها ليلة لا كالليالي، أنكرن فيها كل شيء، وأعجبن فيها بكل شيء. أنكرن حتى أنفسهن، فقد رأين ما لم ير أحد، وسمعن ما لم يسمع أحد، وأحسسن ما لم يحس أحد. ولم تكن آمنة أقلهن إنكاراً وإكباراً وإعجاباً فقد كانت ترى، وهي يقظة غير نائمة، أن نوراً ينبعث منها فيملأ الأرض من حولها ويزيل الحجب عن عينها. وكانت تنظر فترى قصور بصرى في أطراف الشام. وكانت تنظر فترى أعناق الإبل تردى في أقصى الصحراء. وكانت لا تتحدث إلى من حولها بما ترى مخافة أن ينكرن ما تقول، وأن يظنن بها الظنون. وكانت هذه من صاحباتها لا تمد طرفها إلى شيء حتى تراه نوراً كله لا ظلمة فيه، وإنما هو مشرق مضيء، أو هو الإشراق الخالص. وكانت هذه الأخرى من صاحباتها تنظر فإذا نجوم السماء تدنو من الأرض وقد إليها أشعة قوية نقية باهرة ساحرة، وإنما لتدنو وتدنو حتى يخيل إلى الرائية أنها توشك أن تمسها وتقع عليها.
وكانت هذه الأخرى من صاحباتها ترى ظلمة مظلمة قاتمة، وتأخذها رعدة قوية ناهكة، ويلم بها شيء كأنه النوم، تسمع أثناءه صوتاً مهيباً رهيباً يسأل: إلى أين ذهبت به؟ فيجيبه صوت مهيب رهيب: إلى المشرق. ثم ينجلي عنهما ألم فتفيق. ثم يعاودها ما كانت فيه، فإذا ظلمة قاتمة، وإذا رعدة قوية ناهكة، وإذا غاش يغشاها كأنه النوم، وإذا هي تسمع الصوت المهيب الرهيب يسأل: أين ذهبت به؟ فيجيبه صوت مهيب رهيب: إلى المغرب. ثم ينجلي عنها ما هي فيه فتفيق.
وكذلك لم تدنُ السماء من الأرض كما
دنت في هذه الليلة. وكذلك لم ير الناس من الأعاجيب كما رأى هؤلاء النساء في هذه الليلة. ولم تكن آمنة على هذا كله تجد ألماً قليلاً أو كثيراً، إنما كشف عنها كل حجاب، ورفع عنها كل غشاء، وخلي بينها وبين عالم من الجمال الذي يرى ومن الجمال الذي يسمع لا عهد للناس مثله. ثم ترى ويرى صاحباتها كأن شهاباً انبعث منها فملأ الأرض من حولها نوراً يبهر الأبصار، ثم ترى فإذا ابنها قد مسّ الأرض يتقيها بيديه رافعاً رأسه إلى السماء محدقاً بصره فيها كأنما يلتمس عندها شيئاً. ثم تسرع صاحباتها إليه وإليها ليؤدين له ولها ما تحتاج إليه الأم حين تمنح الحياة، وما يحتاج إليه الابن حين يستقبل الحياة، فإذا هي لا تحتاج إلى شيء، وإذا هو لا يحتاج إلى شيء، وإذا هن يتناولن أجمل صبي، وأروع صبي، وأبرع صبي، وإذا قلوبهم قد امتلأت بأن الأرض قد استقبلت وليداً لا كالولدان.
ثم يشرق الفجر وتبسط الشمس رداءها النقي على بطحاء مكة وما يحيط بها من الجبال. ويرتفع الضحى، ويضطرب الناس في أمورهم وقد قضوا ليلاً جاهلاً غافلاً، لم يشعروا فيه بشيء، كأن لم يكن فيه شيء. ولو قد كشف عنهم الغطاء، ولو قد أزيلت عن قلوبهم الحجب
لرأوا وسمعوا. ولكن الله قد جعل لكل شيء قدراً، فهو يظهر آياته لمن يشاء، ويخفي آياته على من يشاء. وعبد المطلب جالس في الحجر وحوله ابناؤه وجماعة من قريش، قد أخذوا فيما كانوا يأخذون فيه من حديث. وهو يسمع إليهم بأذنيه ويعرض عنهم نفسه، يفكر في فقيده الذي لا يستطيع أن ينساه. وإنه لفي ذلك وإذا البشير يقبل عليه مسرعاً، حتى إذا انتهى إليه حياه وقال: لقد ولد لك غلام: فهم فانظر إليه! فلا يسمع هذه البشرى حتى يحس أن الله قد أخلفه من فقيده ورفق به في مصابه، وادخر له عزاء عن محنته. فيسأل: أهو ابن عبد الله؟ فيجيبه البشير نعم. فينهض مسرعاً، وينهض معه بنوه ويمضون لا يلوون على شيء حتى يبلغوا بيت آمنة. فإذا دخل الشيخ ورأى الغلام أحس كأن الله قد أنزل على قلبه السكينة وجلا عن قلبه الحزن، ورده إلى غبطة وسرور بعد عهده بها.
ثم يسمع حديث النساء فلا ينكر منه شيئاً، كأنما كان ينتظره، وكأنما كان منه على ميعاد. ثم يرفع الصبي إليه فيقبله ويقول لأسمينه محمداً. قالت آمنة: لقد أتاني آتٍ في النوم فأمرني أن أسميه أحمد. قال عبد المطلب: فهو محمد وهو أحمد، وما أرى إلا أنها بعض أسمائه.

