تتمة المنشور في الصفحة ١٥
وبينا كنا نطيل النظر في هذا وذاك وإذا به يقصد وعاءً صغيراً ليأخذ منه قطعة، وثانية، وثالثة، من المصنوعات الزجاجية الملونة التي ترجع الى عهد الفينيقيين. وقد استدل عليها من كتاب ضخم كتب بالافرنسية عن الآثار الفينيقية في لبنان موضوع بين كتبه القليلة على رف انشأه فوق حوض ماء من الناحية الجنوبية للبهو. وإذا به يرينا منه لوحة ملونة للزجاج الفينيقي تشابه تلك التي بين يديه تمام الشبه. ثم اطلعنا على قوقعة متحجرة عثر عليها اثر انفلاق حجر كان ينقر فيه. كما ارانا احد النباتات المتحجرة بهيأة الزهرة.
وهذا، اعني الاخير، بنظره اثمن الآثار الموجودة لديه. ففناننا لم يقتصر على الرسم والنحت بل اخذ يدرس الجيولوجيا ويلتقط من بين الاحجار تلك التي تدل على قدم العهد وأنى لأثر قريب ان يفلت منه وهو ذلك الثاقب البصر. وبعد ان قضينا زهاء ساعة من الزمن اخذ يكرمنا الان كما يكرم الناس الناس، فقدم الينا صحناً كبيراً مملوءاً بالعنب اللذيذ ... ترددت في بادئ الامر لظني انه يقدم الينا طعام يومه وسرعان ما زال هذا التردد بعد ان تبينت انه يقدم الينا من عنب جنينته، وإذا بصاحبنا فلاح من الطراز الاول يعني بالكروم والتفاح والفواكه الاخرى ويزرع الخضروات على اختلاف انواعها.
انه فلاح واي فلاح ... ان جنينته ليست كما توهمت لاول وهلة جنينة عادية لاستثمار نتاجها. بل انها حقل تجريبي دقيق يعمل فيه على غرس النباتات في غير اوانها ويرعاها بشتى الوسائل كالتركيب والتطعيم والتسميد ... ويكيف في هذه وتلك ليحصل على ثمر في غير موسمه او على تنوعات جديدة من النباتات ذات مزايا مرغوب فيها. لقد استطاع ان ينجح في تطعيم التفاح في تموز كما تمكن من الحصول
على تفاح كبير الحجم غير مصاب بأية آفة. انني في الواقع لا استطيع ان احصي على الرجل جميع اعماله الزراعية لكنني اسجل هنا بعض ما علق في ذهني كنجاحه في زرع الليمون الحامض في ذلك المناخ البارد وتجربته للحصول على خضار (الارض شوكة) في الخريف بدلا من الربيع.
لم يكن فناننا فلاحاً فحسب بل بز جميع الجنيناتية في تنسيق حدائقه الجميلة. اقول ذلك ولا زالت التماثيل البديعة المبعثرة في جميع ارجائها عالقة في ذاكرتي واراني هنا بحاجة الى التوسع في كلمة (بعثرها) اذ التماثيل قد بعثرت فعلاً... ولكن اتضح لي انه عني عناية فائقة في وضع كل منها في موضعه بما يتفق وشكل الارض ومقدار نور الشمس والظلال التي
تتكون في كل تمثال منها في مختلف ساعات النهار. وهل لمثل فناننا ان يهتم بساعات النهار؟ والجواب نعم انه يعمل وفق منهج خاص نظمه تنظيماً دقيقاً ليستطيع ان يوفق بين اعماله الجليلة العديدة، مهتدياً، لا بساعة معدنية، بل بمزولة اقامها في سطح صومعته. ولما اعترضت عليه حاجته الى الساعة في الليل اجابني بأنني استعلم النجم ... ان ليالي الهادئة تعينني على دراستها ... اذاً انه فلكي عالم بالنجوم وبسيرها وحركتها.
فهنيئاً لك يا يوسف الحويك على النعمة التي وهبها لك الخالق، وهنيئاً لك على جهادك الصامت في سبيل فنك وعلمك وادبك.
وشكراً لك يا دكتور رشيد معتوق على الفرصة الثمينة التي اتحتها لي لزيارة النابغة.


