
فقرنا في الصحافة الأدبية والعلمية أمر معروف . فبينما تطغى عندنا الصحافة السياسية حتى تستطيع بيروت أن تتحمل خمساً وأربعين جريدة سياسية كل يوم ، نجد الصحف الأدبية في لبنان كله لا تبلغ عدد الأصابع ، والصحف العلمية معدومة . أما أسباب هذا الفقر فأهمها ضآلة التشجيع وصدوف الناس عن اقتناء الكتب ومشتري الصحف التي تبحث في العلم والأدب . تراهم يقرأون الصحف السياسية رغبة في الإطلاع على الأخبار المحلية والتطورات السياسية في العالم أما غير ذلك فلا يهمهم أن يقرأوا . وليس الفقر المادي الذي تتذرع به هو العلة الأولى التي تمنعنا من تشجيع الصحافة والإنتاج الأدبي . بل أننا لم نعود بعد أن ننفق على هذا النوع من الكماليات ! ألاحظ مثلاً في المدارس أن الطلاب والطالبات ينفقون جزافاً على الحلويات وأن والديهم يشجعونهم على الأكل حتى التخمة والأفراط لكنهم قلما يضعون في أيديهم ما ينفقونه على مشتري الكتب ومطالعة الصحف . فهم لا يعتبرون من الأغذية سوى الغذاء المادي .
وسبب آخر هو مزاحمة الصحف والمجلات الأجنبية التي تطغى على أسواقنا كطغيان البضائع الأجنبية فتخنق إنتاجنا وتشل حركتنا . ولو كانت صحافتنا المحلية على شيء من القوة لما قدرت صحف الأجانب على منافستها إذ لا يخفى ما للطابع المحلي من الجاذبية ، لكن الضعيف لا يثبت للقوي وأن توفرت له وسائل الأغراء والفتون .
لكن إلى جانب هذه الأسباب جميعاً سبباً رئيسياً يجعل صحافتنا الأدبية والعلمية هزيلة ضئيلة - وهو شيوع طريقة الارتجال وقلة التعمق عند أدبائنا جرياً على طريقة الصحفيين السياسيين الذين يسودون جريدة بكاملها في بضع ساعات ويدفعونها للطابع .
يقول الجاحظ في رسالة له يدافع بها عن العرب : وكل شيء للعرب فهو بديهية وارتجال وكأنه إلهام وليس هناك معاناة ولا مكابدة وما هو إلا أن يصرف وهمه إلى الكلام ... فتأتيه الألفاظ أرسالاً وتنتال عليه المعاني انتيالاً ...
واعتقد أن الجاحظ كان مخطئاً في هذا الوصف الذي ظن أنه يرفع من شأن العرب . فلقد كانوا في الجاهلية يتدارسون أشعار من سبقوهم ويتنافسون في الرواية والحفظ ولم ينبغ منهم شاعر لا في المتقدمين ولا في المتأخرين إلا بعد أن جهد نفسه في الدرس والإطلاع وطول الصبر والمعاناة حتى قيل أن أبا نواس روى لستين امرأة من شواعر العرب ما عدا الرجال .
ولو فرضنا أن الارتجال قد صح في بعض العصور فهو لا يصح في عصرنا . أن القارئ المثقف - ومن يريد قراء جهلة ؟ - يطلب منا اليوم أن نثير تفكيره ونطلعه على أشياء يجهلها ونصقل ذوقه وشعوره ونملأ نفسه بالغبطة والأحلام ، وهذا كله يتطلب عملاً شاقاً وجهداً طويلاً واختزاناً
للمعارف وثقافة واسعة متزنة وارتقاء ونضوجاً في الشخصية عند الكاتب الذي يضطلع بمسؤولية تثقيف القراء وتوسيع معارفهم .
الصحافة السياسية فن يتطلب خبرة وذوقاً في تنسيق الأخبار وحسن الانتخاب والتعليق وجذب الانتباه بالعناوين والعبارات القصيرة المغرية . لكن صحافة العلم والأدب شيء غير هذا . صحيح أنها تتطلب ذوقاً وفناً في الترتيب واتقان المظهر لكن هذا أمر جد ثانوي وأهم منه ثقافة عميقة عصرية تعتمد أحدث الكتب العلمية وأفضل المصادر الأولية يوفدها الاختبار الواسع الدقيق لأحوال المجتمع وحاجاته، مع قوة الملاحظة ونفاذ البصيرة وذوق صقلته الثقافة فهو غير فطري ولا مرتجل بل ثابت الاتجاه متين الأساس .
عدو الصحافة نوعان : منها الصحافة الخطابية المتهوسة التي تستغل سذاجة القارئ وتسحره بعبارات طنانة وخطب رنانة فيقرأها وهو مندهش مسحور ويحكم لا على المعاني بل على الألفاظ فيظل تحت تأثيرها من غير أن يشعر أن ما قرأ كلام فارغ وعبارات جوفاء . والنوع الثاني الصحافة التجارية وهي التي تكثر من التزويق والتنميق فتستعمل الألوان والتهاويل وتضرب على نقاط الضعف في القارئ وتنحط إلى مستوى العامة فتنشر كل ما من شأنه أن يثير الفضول أو يحرك العواطف ويهيج الإحساس . مثل هذه الصحف تصلح لألوان الدعاية لأنها لا تعمل لغاية ثقافية مثلى بل للتجارة والكسب والإعلان وقد كثر أمثالها في عصر الدعايات الذي نعيش فيه . أما النوع الأول - الصحافة الخطابية - فقد كثرت في أول عهد النهضة ولا يزال منها اليوم آثار .
اذكر عدداً من الصحف النسائية ظهرت في آن واحد في لبنان وسوريا فعاشت طالما استطاعت أن ترضي جمهوراً


