
تحرص « صوت المرأة » على ان تقدم الى قرائها كل مفيد. وهي تحاول، بنوع خاص، توجيه الاهتمام نحو الفنون الجميلة التي من شأنها تهذيب النفس. وقد توفقت حتى الآن بان تختار لهم اجود الشعر، وان تقدم لهم تباعاً احاديث عن « احب الروائع الى الفنانين وهواة الفن »، وان تروي لهم لمحات عن « اعلام الغناء عند العرب ».
ويسر « صوت المرأة » ان تبدأ بهذا العدد سلسلة احاديث عن « الموسيقى » من خلال عباقرة العالمين، كتبها خصيصاً لها الاستاذ رجا خولي. والاستاذ رجا خولي من شبابنا المثقفين الذين لهم في الموسيقى اختبار صحيح وفهم واع، وادراك عميق.


من الصعب جداً اذا لم نقل من المستحيل ان نجد شعباً من شعوب الارض يخلو تماماً من الموسيقى. على ان نوع الموسيقى ودرجة رقيها تختلف باختلاف الامم والعصور. ونحن كأمة نحب الموسيقى وعندنا منها ما هو بلدي وما هو مستورد من الخارج، ولا ينقصنا سوى بعض الاهتمام والحماسة لتدخل الموسيقى الى بيوتنا فتصبح جزءاً منا ومن ثقافتنا. اما من مظاهر حبنا فكثرة الاقبال على حفلات الموسيقى والغناء وعدد الذين يؤمّون دور السينما لحضور الافلام الموسيقية « شرقية » كانت ام « غربية ». وهناك فكرة سائدة وهي اننا « كشرقيين » نميل الى « الطرب » ومن اسبابه الاولى الموسيقى. فلو سألت انساناً ما اذا كان يحب « الموسيقى » اجابك بشيء من الحدة والتأكيد، لان هذا في نظره امر لا جدال فيه، والسؤال بحد ذاته يتضمن شيئاً من الاستخفاف والهزء. اما اذا طلبت منه تحديداً لنوع الموسيقى الذي يفضله ولاسباب تفضيله فقلما تحصل على جواب واضح مقنع والسبب في ذلك يرجع الى انه من النادر ان تجد من خصّص وقتاً لدرس الموسيقى او لمعرفة شيء عنها.
فالكثيرون يرون ان الجهل التام لكل ما يتعلق بالموسيقى لا يتعارض ابداً مع التلذذ بها. وعندهم ان الموسيقى تخاطب « العاطفة » لا « الفكر » وانه يكفي ان يكون الانسان ذا سمع صحيح ليفهم كل ما تنطوي عليه قطعة موسيقية ما. ولا شك ان احتواء هذه الفكرة بعض الصواب هو ما يجعلها اشد خطراً. ففي الموسيقى ناحية عاطفية كما فيها نواح حسية

ومنطقية وهذه الاخيرة لا تظهر الا بعد الدرس. ولكن الخطر هو ان نكتفي بالعاطفة فنرفض الدرس والفهم الذي يمكننا من ان نحصل على لذة في الموسيقى لم نكن نشعر بوجودها من قبل. ان كل قطعة موسيقية عظيمة تخاطب سامعها بالنسبة الى استعداده وقدرته على الفهم. فواحد لا يجد فيها سوى اضاعة الوقت باصوات لا فائدة منها وآخر يجد فيها مثيراً لعاطفته فقط بينما يرى ثالث فيها رسالة من صديق حميم فيقرأها ويفهم كل ما فيها. وفي كل طور تزداد لذة السامع الى ان تكتمل حينما تحمله تلك الرسالة الى حدود اللانهاية
ليتأمل بما وراءها بضع لحظات.
ليس القصد من كتابة هذه السطور سوى اثارة اهتمام البعض ممن لم يسبق لهم ان درسوا شيئاً عن الموسيقى لكي يسعوا الى الحصول على معلومات تجعلهم يجدون في الموسيقى مصادر جديدة للذة نبيلة ترفع النفس. وهنا لا بد من القول ان التعمق في الدرس ليس ضرورياً لمن لا يريدون احتراف الموسيقى كنظم الانغام او انتقان العزف على آلة ما، واذا كان هناك من هم قانعون بما يفضلونه من انواع الموسيقى ولا يريدون زيادة، فليس لنا ان نحاول اقناعهم بتغيير رأيهم. غير ان هناك من يودون زيادة معرفتهم لكنهم على اعتقاد بأن ذلك يتطلب موهبة خاصة وجهداً كبيراً مما لا تسمح لهم به كثرة اعمالهم. ولهؤلاء نقول ان الموسيقى اذا عوملت كالادب مثلاً ليست اصعب من اي موضوع آخر. وفهمها التام لا يتطلب جهداً أكثر من اية لغة اخرى. ومتى ملك المرء بعض مبادئها الاولى تأخذ بالنمو والازدياد بنفسها من الاختبار. انه ولا شك من الصعب ان يصبح الانسان مؤلفاً او عازفاً ذا شهرة، لكن هذا ليس ما نرمي اليه، فهم الشعر ليس للشعراء وحدهم وكذلك فهم الموسيقى او اي فن آخر. ان كل صحيح السمع يستطيع زيادة معرفته وتقديره للموسيقى الى الدرجة التي يختارها. وفيما يلي بعض الاقتراحات لمن يرغب في زيادة معلوماته.
تعلم « ابجدية » الموسيقى (اي طريقة كتابتها) والاصطلاحات التكنيكية التي ترشد الى طرق التعبير. ثم الفروق الاساسية بين « الهارموني » و« الكونتربونت » وهما بمثابة الصرف والنحو في اللغة. هذا علاوة على تركيب الاشكال المألوفة من غنائية وآلية كالاغنية « والسونات » و « السمفونية » وغيرها. وهذه تجدونها في القواميس والابحاث الموسيقية ومعظمها