بلغات أجنبية . ومما يساعد كثيراً أيضاً معرفة الآلات الموسيقية المختلفة والقدرة على تمييزها من مجرد سماع صوتها . أما من أهم ما يفيد المستمع فهي القدرة على قراءة الموسيقى ولا يقصد بذلك القدرة على غنائها أو عزفها بل قراءتها الصامتة كما يقرأ وأحدنا رواية ما ، وهذا ليس بالأمر الصعب إذا بدأ الطالب بأنغام مألوفة بسيطة ثم تطور إلى ما هو أكثر تعقداً . ولن نقول إن قراءة الموسيقى أو معرفة أي شيء عنها تغني عن الإستماع والاختبار الذي يبقى أفضل طريقة للتلذذ والتقدير ولكن ليتخيل كلٌ منا كم يستطيع أن يتقرب من القطع العظيمة ومؤلفيها متى ملك طرق الوصول إليها كما في الأدب والشعر .
إن ما قلناه ينطبق بالأكثر على الموسيقى الآلية لأنه في الموسيقى الغنائية لا بد للكلمات من تأثير . نعم ، إن غاية المؤلف في كلا الحالين هي الوصول إلى جمال جوهريّ لكن عندما توجه الكلمات يحاول أن يجعل الأنغام توافق المعنى وتعبر عنه بقدر الإمكان . فالأغاني ترث من والديها الشاعر والموسيقي وفيها تبدو مزايا الاثنين . على أن هذا القول مع ما فيه من الصواب محدود جداً . ففي الأغنيات العظمى التي بها يجب أن يكون الحكم ، نجد أن المؤثر ليس الكلمات نفسها بل الظرف الذي أثار نبوغ المؤلف . فالكلمات للموسيقى هي بمثابة المنظر للمصور الذي لا يهمه نقل تفاصيل المنظر بقدر ما يهمه التعبير عما شعر به من عاطفة في ذلك

الموقف . إن كل محاولة لاستنتاج كلمات أغنية ما من مجرد سماع أنغامها هي فاشلة ، وذلك لأن الموسيقى بطبيعتها لا تستطيع أن تعكس كلمات شعرية أو مناظر طبيعية . فالدافع إلى تأليفها هو شعور داخلي ، وهذا قد ينتج عن مسببات عديدة . وفيما يلي نلقي نظرة سريعة على الموسيقى في العصور المتوسطة .
كانت الموسيقى ، قبل العصور المتوسطة ، معظمها غنائية تقتصر على الترانيم والصلوات الدينية . ولم يكن عند القدماء أي تنويع في الأصوات فكان جميع أفراد الجوقة يغنون نغماً واحداً . وبقيت الحال هكذا إلى القرن الحادي عشر بعد الميلاد حين اكتشفت مبادىء دمج الأنغام والأصوات المختلفة بشكل موحد التناسق والجمال . ويظن البعض ممن كتبوا في تاريخ الموسيقى أن تطورها في أوروبا قد بُني على ما خلفه اليونانيون والعبريون القدماء ، ولكن ليس في تاريخ الموسيقى ما يبرر هذا الاعتقاد لأنه لم يكن عند اليونانيين أو العبريين أية فكرة عن « الهارموني » . ويجدر بهذه المناسبة إصلاح فكرة خاطئة عند عدد كبير من الناس . فالكثيرون يظنون أن لليهود
فضلاً كبيراً على الموسيقى وسبب ذلك كثرة الأسماء اليهودية بين العازفين المشهورين . ولكن الحقيقة هي أنه ليس بين المؤلفين العظماء من يهود ، وذلك لأن التأليف يتطلب جهداً كبيراً وإخلاصاً للفن مجرداً عن المادة بينما الاشتهار بالعزف لا يتطلب سوى بعض المهارة والتمرين ليجر وراءه أرباحاً مادية طائلة . ومما لا شك فيه أن العرب هم أول من اهتم بأصول تركيب السلالم الموسيقية (Gammes Scales) التي جعلت ما تبعها من تطور ممكناً . ومن أراد معرفة تفاصيل ذلك فليراجع الموسيقي اللبناني العلامة الأستاذ وديع صبرا ، لما له من أبحاث في هذا الموضوع الشيّق . لقد أخذ الأوروبيون فكرة دمج الأنغام وتركيب الأصوات (Counterpoint & Harmony) من العرب وبنوا عليها أصول العلمين المذكورين ، فأخذت موسيقاهم بالنمو والإنتاج بينما بقيت عند العرب على حالها . أما « الكونترپوينت » فهو علم الأنغام التي توافق بعضها باتجاه أفقي ، بينما « الهارموني » هي أصول تركيب الأصوات بشكل عمودي .
وهذان العلمان هما من ميزات الموسيقى الخاصة . فليس في الفنون الأخرى ما يشبهها . وهما يساعدان الموسيقى على الربط بين أجزاء القطعة الواحدة وجعلها متناسقة . أما تطور الموسيقى وازدهارها في أوروبا فقد جاء على أيدي عباقرة المؤلفين ، وسنذكر بعضاً منهم في أعداد مقبلة .

