«وطفاء» ناحية بعيدة
عن الضوضاء، وجلست
القرفصاء، تفيض من
عينيها موجة من هم دفين، انها كانت في
المدينة وعلمت بالكارثة .. كارثة بيع
ارضها. انت تغير اوضاع عشيرتها،
فتقلب راحتها نصباً، وعزتها ذلة،
واستقرارها تطوافاً وتشريداً.
ابى حنو وطفاء ان تفضي الى قومها
بما علمت، فلتتركهم ينعمون بساعاتهم
الهنيئة ... من يعلم ؟.. ربما كانت هذه
الليلة آخر لياليهم في ديرة نشأوا فيها
فكانوا حماتها، ديرة امتزج ادمها بماء
جباهم او بدموعهم ودمائهم، وبذرات
أجداث اعزائهم.
ولكن الفتاة في حاجة ملحة الى
الافضاء بما يعتمل في صدرها، ففي الافضاء
تخفيف للوعة القلب، واسى النفس،
فتلفتت حولها فلم تجد سوى نعجتها فضمتها
الى صدرها، تبثها ثورتها:
«عفاءً لايام الهناء يا نعجتي حيث رعت
في كنفي، ورتعنا معاً في ظلال عشيرتي،
قوية قادرة باذخة شجرة شمها، وارفة
ظلال نخوتها، لمفي عليها ... انها سادرة
في غبطتها، لاهية عما ينتظرها من غدر
مبيت، وخديعة متعمدة ... الارض لم
تعد ارضنا يا نعجتي، اصبحنا فيها غرباء
لا نملك من امرها أكثر مما يملك الحالم من
حلمه، والغريب من ديار غربته. باعوها ...
ولم يعد هناك أمل يرتجى. انهم يبيعون
يا نعجتي وينعمون ... ونحن هنا نهان
ونطارد ... لهم الهناء ورحلة الصيف
والشتاء، ولنا البؤس والذلة والشقاء. لهم
التصدر والاثرة، ولنا اللوعة والحسرة،
غداً سيتفرق شمل هذا الجمع كل الى ناحية،
طلباً للمال، قوتاً للعيال. غداً سنرحل
يا نعجتي، فتصبح هذه المغاني بايامها
ولياليها الغوالي ذكريات تمر في خواطرنا
موجعة مؤلمة تصحبها الغصات وتتخللها


