التأوهات ... غداً ستقفر الارض من اصحابها ، والدور من سكانها غداً ستسيل دماؤنا وترتفع بالصيحات اصواتنا ، وما من يسمع شكاتنا ، وما من يأبه بمصابنا فموتنا وحياتنا سواء ، لا لشيء ، الا لاننا من الشعب ضعفاء فقراء .
واجالت وطفاء طرفها هنا وهناك ، تودع الربوع وتستجر الذكريات ... فهذا الغدير كم وردت عليه تنهل من مائه العذب وتغلي قلتها ، وتلك الهضاب وهذه السهول الخضر ، قضيت فيها زهرة العمر ، طليقة كالفراش تستقبل في جذل بشير الصباح ، ونسيات الماء تتمتع بمواسم الصيف والشتاء ، وتنعم ببهاء الربيع .. وتتألم لاغبرار الخريف . وهذه الحفر العزيزة الملبثة بالرماد ، انها المواقد ... مواقد عشيرتها ومرتع سمرهم ، فكم جلست اليها في الامسيات الهانئة ، تدق
المهباج وتصطنع القهوة ، وتوقد النار ايذاناً للجوار ، وحولها صبايا العرب يتهن دلاً ، ويمسن اعجاباً .
وبكت الفتاة وتململت النعجة ، وارتفعت الاصوات تنادي وطفاء لتشارك الهازجين هزجهم ، والدابكين دبكتهم ، فانطوت الفتاة على نفسها ، ومشت متثاقلة ، وتوسطت الحلقة ، شاردة الذهن ، دامعة الطرف . لقد طغى حزنها ، فاظهر خبيثة نفسها ... فبهت الجميع بمظهر فتاتهم ، وطال الاستجواب ، كما طال صمت وطفاء ، وخبت شعلة السرور ، وتفرق القوم جماعات ، يتكهنون ويستنتجون ، الى ان بزغت اولى خيوط الفجر ، تصحبها قرقعة غريبة انصت اليها القوم الواجفين وتنادوا مستفسرين ، واعتلت وطفاء رابية ، وارسلت بصرها .. انه المالك الغريب الدخيل الجديد ، اتى بعدته وعديده ، ليقلب ارضها ، ويقتلع
جذور عشيرتها ، ويدرس معالمها ...
واغمضت الفتاة عينيها وجرى خيالها ، يقارن بين الماضي وعزته وبأسه ، والحاضر ومخازيه وخنوعه ، فانّت انين المفجوع وارتفع صوتها ، فيه بحة الاسى وغصة الدموع .
وانحدرت الفتاة عن الرابية وفي قلبها يأس ، وفي نفسها عزم ، عزم الموت على اديم ارضها ، وفي اهاب عزتها ، ومشت في جلال تستقبل الوافدين ، وانتضت خنجرها ...
صاح النساء ، وزأر الرجال والتحم الفريقان ، وسالت الدماء ، واسدى الستار على مأساة جديدة ، من شتى مآسي العروبة ... في ارض العروبة ... نتيجة لاهمال ابناء العروبة !
حيفا ١ يناير ١٩٤٧

