
الفتى لحناً ترنحت له الحور ورقصت عليه عرائس الجن.
نحّت القيثارة وقامت إلى المشكاة وسكبت بها زيتاً من قارورة ضمتها بين طيات ثوبها الأبيض الموشى بخيوط الذهب، ولثمت سجف المذبح وعادت إلى حبيبها خاشعة، لتجني من رضابه رحيق السعادة والمنى. وأخذت رأسه الأشقر بين يديها الصغيرتين وأطبقت بشفتيها على شفتيه وطبعت على ثغره الندي قبلة حرى أودعت بها حبها الريان وأملها اليانع، فحلقا في أجواء الخلود يرفان بأجنحة طهر وسنى نحو الملأ الأعلى.
استيقظ الكاهن العجوز على أنغام القيثار ونجوى الهوى فثارت ثائرته، وضجت في صدره ذكريات الماضي ومتع الصبى. ورفع يده المرتعشة ليفرك عينيه الغائرتين فبين الشبحين المتعانقين على درجات المذبح المقدس، فلامست أردان ثوبه الخشن وجهه المغضن، وقد خط الدهر به أفجع السطور، فوثبت أمام عينيه الحقيقة المرة: لقد حجبت مسوح النسك
عنه أطايب الحياة وحرمته لذائذ القلب وأماني الشباب، وأهب بشرته وشاح من وبر الجمل، وأضناه التقشف والصوم، وكل ما يرتجيه نعيم مزعوم، لا يدري أهو وهم أم حقيقة. وها هو الآن يطعن في أقدس مقدساته. لقد انتهك العاشقان الطائشان حرمة معبده، وشوها عزلته وتهجما على نسكه، وأثارا به عواطف ونزوات ظنها خمدت بفضل التقشف والصوم وقهر الجسد. لقد حرم على نفسه جني النعيم الراهن، طمعاً بالخلود في الفردوس الموعود لخائفي الله ومحبيه. وها هما يفسدان عليه سكون النفس، ويهددان أمله المنشود. «تعساً لهما!» أيحرم نعيم الدارين وجني الفردوسين؟
أعماه الغضب والحرمان وتأججت بصدره الغيرة على الفضيلة وجمرة الإيمان، فرفع يديه المرتجفتين إلى السماء ودعا ربه صارخاً: «رب اسكب عليها من عليائك ناراً وكبريتاً! رب امسخها حجرين أصمين، يحدقان ولا يبصران لهما آذان ولا يسمعان. أخرس فيها نجوى الهوى وأطفئ في قلبها جمر الجوى! اجعلها عبرة لمن اعتبر، وجبروتك آيا من حجر!»
ذهل العاشقان وسرت بهما رعشة الخوف والرهبة وهبت عليهما ريح كأنها
من صقر، فسمرا كأنهما صنمان، فنظر كل منها إلى إلفه نظرة حنان وعطف أودعا فيها عصارة روحيها، وخلفا انقاض الجسد وحلقا روحين محبين طاهرين نحو الملأ الأعلى ليتحدا بالذات الكبرى، يرفان ويشدوان.
وأوى الكاهن العجوز إلى مهجعه واستسلم لسبات عميق هانئاً مطمئناً. لقد تغلب على المادة وانتصر للفضيلة وانتقم لها... واستيقظ على أناشيد المسبحين وتمتمات المتعبدين. فارتدى مسوحه وسار بوقار ليؤدي فروضه الدينية ويتقدم المصلين بصلاة السحر. وتقدم إلى المذبح ونظر بغبطة إلى رعيته وقد غص بها المعبد على رحبه خلافاً لما ألف. ويا لهول ما رأى! رأى النبراس المقدس يتلألأ فينعكس نوره عن صنمين هما أبدع ما رأى، قد التف القوم حولها سجداً، يتلون لها بخشوع صلوات حرى، ويعفرون وجوههم في التراب تذللاً وتقديساً... وإذ بالقوم يعبدون اللات والعزى، وعن إلههم لاهون، وبجمال الصنمين مفتونون، يقدسون بها القوة ويعبدون الجمال.
صعق الكاهن فهام حيران وترك الناس في ضلالهم يعمهون.
