
كنت في الحادية والعشرين من عمري، كنت مولعاً بالفتيات لدرجة قصوى. فبعد ان درست سنة في الجامعة حصلت على وظيفة في احدى الضواحي فتركت الجامعة والتحقت بالعمل. وما ان وطأت قدمي ارض عملي الجديد حتى رحت اتفحص المكان زاوية زاوية كيما ألمح فتاة جميلة تؤنسني في وحدتي وتقصي عن نفسي شبح الغربة.
لم البث ان التقيت بصديق لي قديم كان يشتغل هناك منذ مدة طويلة، اهل بي ثم قادني بيدي وعرفني على كل الموظفين والموظفات.
وكان ان لمست بيدي يد فتاة ناعمة الملس طريئة، برق وجهها وعكس نور الكهرباء على عيني ثم اثار في نفسي هواجس وتصورات دفينة. وكان اسمها « كريستين » ثم وضعت يدي في ايدي الباقين من الحضور مسلماً ولم يلفت نظري تمام الالتفات سوى « كريستين » الناعمة الملس و « فيوليت » وهي فتاة اخرى سمراء البشرة حلوة الابتسامة. فتاتان ربضتا امامي في مفترق الطريق وراحتا تتلاعبان بي كريشة في ملتقى الاعاصير. ووراء حديثي المسموع مع ذلك الجمع الجديد اجهدت دماغي بالدرس والتمييز في اي الصفات تفوق الاولى الثانية او الثانية الاولى.
كانت الاولى تفوق الثانية نعومة وجمالاً. وقد ركبت شفتاها بانعكاف ضئيل تركيباً فنياً استطاع في كل حركة امتلاك عصب من اعصابي. هذا مضافاً الى لون بشرتها الحمراء الصافية الطريئة. اما الثانية فقد فاقت الاولى برنة صوتها وبخفة روحها وبسمرتها الحبيبة وحديثها المنعش. وقد ذهب اجهادي عبثاً اذ لم اتوفق بالوصول الى حل مرضي مع نفسي في تفضيل الواحدة على الاخرى.
خرجنا من تلك الغرفة التي كان الجمع مجتمعاً فيها في نحو الساعة العاشرة وقد سار بجانبي صديقي القديم، انطوان ثم سألني، « كيف وجدت هذا المجتمع الجديد ؟ »
- « انه جديد بكل معنى الكلمة . »
- « هل اعجبتك الاوانس ؟ »
- « لماذا تسألني هذا السؤال ؟ »
- « لانني لم انسك بعد . »
- « يظهر ان عندكم هنا بعض الغرباء . »
- « طبعاً تعني « كريستين » « وفيوليت . »
- « آه .. لقد بدا لي انها غريبتان . وما هو اصلها ؟ »
واذا بوجه صديقي ينقلب جدياً ويتجهم ويقول : « انها من اصل يوناني، يا البرت. انها ترقصان وتلعبان وتمزحان إلا انها شريفتان، يا البرت، شريفتان للغاية . »
فتعجبت من جواب صديقي ايما تعجب وقد عرفته شاباً متهتكاً لا يلقي الى هذه الوجهة من التقاليد ببال. ثم طرأت على رأسي فكرة : « هل وقعت في حب واحدة منها ؟ »
- « من ؟ انا ؟ انا خاطب. الم تعلم
بعد ؟ هذا هو خاتمي ! »
- « من خطبت : كريستين ام فيوليت ؟ »
- « وما الذي جعلك تشك في هاتين، يا البرت، خطبتي تسكن في حلب. وزواجنا قد اضحى قريباً . »
- « شيطان، ولماذا لم تخبرني من قبل ؟ اتمنى لك كل نجاح وتوفيق . »
وفي الصباح التالي نهضت باكراً جداً ورحت امشى امام غرفتي منتشقا هواء الصباح الطازج واذا بي التقي بالفتاتين وقد زادتا نور الصباح بهجة.
« عجباً، » قلت لهما، « كيف استيقظتما باكراً هكذا ؟ »
« كيف استيقظت - انت - باكراً هكذا ؟ » قالت السمراء.
- « انا .. انا رجل ! »
- « ونحن فتاتان في القرن العشرين، قرن المساواة . »
- « لذيذ ! انا فخور ان التقي بفتاتين عصريتين في هذا البلد . »
واذا بي بعد هنيهة اسير محروساً بين ملاكين وسط صفين من شجر السرو وهوائه العليل.
- « يظهر ان الحياة هادئة رومانطيقية في هذا المكان . » قلت لهما فضحكتا.
« والاشخاص ايضا رومانطيقيون، » اجابت السمراء بسخرية طريفة.
وبقينا سائرين متمتعين باحاديث عذبة الى ان وصلنا الى بئر عميقة فسألتها.
« وما معنى هذه البئر الناشفة وسط هذه الاشجار الخضراء ؟ »
- « اخبريه، يا فيوليت عن تاريخ هذه البئر » قالت كريستين.
- « هذه هي البئر التي وقف عليها يعقوب عندما قابل راحيل. هذه لها تاريخ قديم قديم . »
- « لا، لا، » انتهرتها كريستين ثم غمزتها من طرف خفي، « هذه لكي نرمي بها كل من نريد التخلص منه. ساعديني،