يا فيوليت » واذا بكل واحدة منها تتعلق بي من ناحية ضاغطة على ذراعي بشدة .
- « اتريدان التخلص مني بهذه السرعة ولم تعرفا خيري من شري بعد ؟ » .
- « نعم » صرحنا معاً بقهقهة مطربة .
- « اهكذا تحرمانني حياتي وانا لازال في اول عمري . حرام » . صرخت مجاهداً معربداً بينهما الا انها لم تصغيا لي .
- « اذاً ، سأستعمل القوة ايضاً » .
ولففت ذراعي حول خصريهما وضغطت فافلتتاني وصرختا صرخة انثوية مدللة .
« استطيع الآن ان ارميكما سوية » قلت بصوت منتصر خشن ، « الا انني اشفق على صباكما وضعفكما ولا اعاملكما بالمثل . » وبينما نحن في ذلك الوضع اذا بصديقي انطون يظهر وراء شجرة من شجيرات السرو وقد امتعض وجهه فنادته كريستين كما رافقنا في نزهتنا الصباحية . ومنذ ذلك الصباح ازدادت صداقي لتينك الفتاتين واصبحت رفيقها المفضل ضائعاً بين حبها جاهلاً نحو اية منها يقودني قلبي . فكلما افردت بواحدة قررت نهائياً انها وحدها تحوي كل ما هنالك من جمال في الوجود وانها هي تمتلك عواطفي لا غيرها . الا ان احكامي تتهدم وتتلاشى حالما انفرد بالثانية دون الاولى ... هوائياً صرفاً كنت في ذلك العهد .
اما صديقي القديم « انطون » فقد ادهشني بتغير اطواره وانقلابها . لم يعد ذلك الشاب اللاهي المرح المتهتك كما عهدته من قبل بل اصبح رزيناً ، منطبقاً على نفسه ، محافظاً على مبادىء العادات والتقاليد . فاذا ما قرأ كتاباً او مقالاً احتوى افكاراً تجددية او آراء تخالف الرجعية ، القى ذلك الكتاب جانباً وعده عديم القيمة . واذا ما التقى بفتاة عارية الساعدين تساير شاباً ببعض المداعبة ثار عليها واشمأزت نفسه اشمئزازاً . او اذا ما شاهد فيلماً سينمائياً قامت بطلته بتقبيل رجلين في وقت واحد وجه لعناته على
اولئك القائمين على هدم الاخلاق والمبادىء من منتجي الافلام .
« هل عندما يقدم الانسان على الزواج يتغير ذلك التغيير ؟ تساءلت مع نفسي .
- « امتى تريد ان تتزوج ؟ » سألته ذات يوم .
« أليس لديك سوى هذا الموضوع ؟ » اجابني بحدة وانفعال . إلا انني بقيت متملكاً اعصابي : « عجباً ، يا انطون ، وهل هي جريمة اذا سألتك عن وقت زواجك ؟ »
- « مجرد السؤال ليس جريمة الا انني آسف عندما ارى شاباً مثقفاً مثلك امتلكت له الشهوات ولم يعد يفكر الا بالغرائز الحيوانية المنحطة ! »
ان صديقي لفي نوبة جنون ، قلت لنفسي ، فلاتربص لأرى النتيجة . « ولكن ، من اخبرك انني لم اعد افتكر الا بالغرائز المنحطة ؟
- « اقرأ كل ما في افكارك من لهجتك في الحديث ، من حركاتك الظاهرة للعيان ... فكر ، فكر فقط بما تجلبه من العار والشقاء على تلك الفتاة البسيطة التي تغريها باحاديثك ومداعباتك . فكر بما تصل اليه هذه الفتاة في مستقبل حياتها . الا تشعر انك انت سبب شقائها من البداءة حتى النهاية ؟ »
- « آسف ، آسف جداً ! » اصعدتها بتنهدة عميقة هازاً رأسي ذات اليمين وذات اليسار .
« يجب ان تتأسف . طبعاً يجب . »
- « اتأسف لشيء واحد : لاني انا الوحيد الذي يسمع هذه الموعظة . هذه التي كان يجب ان يسمعها الملايين . كان يجب ان تذاع في الراديو ، ان تكتب في الجرائد ، ان تتلى في السينمات وتلتقط بالاسطوانات والميكروفون وال ... »
- « كلام فارغ » صرخ صديقي انطون بحمق واختفى من امامي . اما انا فبقيت مكاني هنيهة جامداً واذا بالفتاة السمراء تمر من امامي وتوقظني من
جمودي : « ماذا اصابك؟ سكتة قلبية ؟ »
- « نعم ! »
- « يا حرام .. قل لي بماذا تتأمل . »
- « اتأمل بالملاك الحارس ، بالروح القدس ، بالبركة الرسولية التي حلت على صديقي انطون ... »
- « يظهر انكما خضتما غمار معركة . مسكين انطون الم تعلم ماذا حل به ؟ »
- « ماذا ؟ هل هنالك اكثر من حاول الروح ؟ » ( قلتها بلهفة )
- « لقد فك الخطبة واختلف مع خطيبته . »
- « لا .. هل هذا صحيح ؟ عرفت الآن لماذا كان عصي المزاج هذه الساعة . »
في ذلك المساء انفردت في مخدعي مبكراً . وما ان دقت الساعة الثامنة حتى سمعت صوتين يتكلمان بهمس خافت على الطريق تحت نافذتي . سرعان ما خفق قلبي واثير حب الاستطلاع في نفسي خاصة عندما ميزت صوت صديقي انطون وصوت الفتاة اليونانية الشقراء : كريستين ، فتسللت من غرفتي مندفعاً بقوة لا واعية قد تكون قوة الحسد او قوة حب الاستطلاع او حب المغامرة - لا ادري - وتبعتها بهدوء وحذر الى ان وصلا الى مكان خال فسيح فتربصت وراء جذع شجرة واصغيت .
« والآن ماذا تريد مني ، يا انطون ، لماذ قدتني الى هنا » قالت اليونانية الشقراء . واذا بانطون يتلعثم : « انت تعرفين ، يا

