سويدية تزاحم غاربو

جميع العبقريات السينمائية في ربع القرن الأخير أتت من السويد. فهناك غير غريتا غاربو، وانغريد بيرغمان، نجوم سينمائية رائعة، هبطت في سماء هوليوود، من بلاد السويد. أما غريتا غاربو فعلى وشك الانطفاء لأنها أوشكت أن تنزلج في هوة الدهر... تلك الهوة التي لا يستطيع الإنسان أن ينجو منها، وهي العمر... وقيل من يخلف (غريتا) على الشاشة، فإذا بانغريد برغمان تظهر فجأة، وبدون دعاية استطاعت أن تقفز فوق مئات النجوم في أميركا إلى القمة العليا. كانت بيرغمان تحلم بأن تمثل دور (جان دارك) على الشاشة الفضية وقد أتيح لها أن تحقق حلمها الأكبر منذ أشهر عندما عرض عليها القيام بدور (عذراء فرنسا) للكاتب الأكبر (ماكسويل أندرسون) وباتت أميركا كلها بانتظار ظهور برغمان في دورها الجديد.
اجمعت الصحف والمجلات الأدبية والفنية على أن برغمان هي أول نجمة سينمائية في أميركا بل في العالم... فهي ليست (سرية رهيبة) مثل غاربو... ولا غريبة شاذة مثل جون كروفورد، ولا اجتماعية تحب الحياة والصخب مثل (إيرن دون) وهي بعيدة كل البعد عن شيء يدعى تبجح. أن سبب شهرتها وأقبال الجمهور على أفلامها، هو بساطتها ورقتها وعدم تصنعها. وخروج الفن من قلبها لا من دماغها... ومن أجل هذا تتفاهم مع الملايين بلغة القلب، وتنفذ إلى الأعماق من حيث لا ينجح أكثر الممثلات في النفاذ لأن تسلية الناس شيء... والدخول إلى قلوبهم شيء آخر... كذا، جميع الفنون من تصوير وموسيقى وأدب ورواية.
ولدت اينغريد بيرغمان في ستوكهولم عام ١٩١٧ وما كادت تبلغ العامين من عمرها حتى ماتت أمها فرباها أبوها الرسام المصور، واستطاع أن يعتني بتربيتها رغم توسط حالته المادية. وتخصصت اينغريد باللغات الأجنبية وحصلت على ثقافة ممتازة.
كان والدها يضحك عندما كانت تقول له بأنها ترغب بأن تصبح ممثلة. ولكن هذا الأب ما لبث أن انحنى لنبوءتها عن نفسها بكل احترام عندما رآها تمثل وما كان يتوقع ذلك. وقد بدأت حياتها الفنية في استوكهولم نفسها عندما دخلت المعهد الملكي للفن الدراسي.
وما كادت حياتها الفنية تطلع على الجمهور ويقدر مواهبها في بلادها فقط، حتى حصلت مفاجأة لا بد منها أوقفت حياتها عن متابعة الفن وتزوجت من محام سويدي، ورزقت منه طفلة عمرها اليوم ست سنوات.
ثم استأنفت اينغريد حياة الفن في بلادها ومثلت عدة أدوار ناجحة، وكانت سعيدة في حياتها ولا تريد أن تغادر بلادها. وفي عام ١٩٣٩ تشاء الظروف أن تخرج برغمان من السويد لتصبح شخصية عالمية. فقد زار السويد في ذلك العام المخرج الأميركي (دافيد سلزنك) للمفاوضة مع أحد المعاهد من أجل
(سيناريو) للسينما وكانت برغمان تمثل دور البطلة في الفيلم فما كان من المخرج الأميركي إلا أن قال: قبلت السيناريو... أعقدوا اتفاقية مع الممثلة السويدية.
وكان المبلغ الذي قدم للممثلة كبيراً جداً وهو يقدم لها لأول مرة حتى أنها لم تستطع مقاومة إغراءه...! ثم قبلت بالعرض على شرط ألا تمثل سوى دور واحد فقط ثم تعود إلى بلادها بعد غياب شهر في نيويورك.
وسافرت عام ١٩٣٩ ولكنها لم تعد إلى بلادها لأن الحظ ابتسم لها. ووجدت في الفن السينمائي الأمريكي الوسائل اللازمة لاخراج مواهبها. على أنها خسرت شيئاً واحداً... لقد خسرت اسمها الصغير. فالناس لا يسمونها اليوم (اينغريد) بل (برغمان العظيمة)... إنهم لا يعرفون سوى اسم (برغمان)...
وتهوى برغمان التزحلق على الجليد. والسباحة، والصيد، وركب الجبل. ولكن قلما تركب الخيول في مسافة بعيدة. وهي أكبر مشاة في نيويورك فإذا مشت لا يستطيع أحد أن يلحق بها...
أما الأكل فغرامها في أكل ما لذّ وطاب دون تمييز، ولها ذوق خاص في انتقاء المآكل اللذيذة غير المزعجة. وهي أكول حتى ليقال أنها لا تعنى بنحافة جسدها. ولكن جسدها آية في الروعة والنشاط والصحة المكتنزة الطبيعية... ولعل طول قامتها، وامتلاء كل قطعة من جسدها الجميل، إذا ما قرنا إلى ذكائها، وبساطة حركاتها وحياتها، سر تفوقها ونجاحها.
أما الثقافة فهي تذبذب نفسها منها كل يوم بلا انقطاع، وتحب أن تشاهد أكثر أفلام زميلاتها ظناً منها أنها تستطيع أن تستفيد من كل ما يمكن أن تقرأه أو تراه، ولعل من أكبر ميزاتها بعدها عن الأعداء، وكثيراً ما كانت تحلم بتمثيل حياة (جان دارك) التي تعجبها سيرتها، وقد تحقق حلمها.
