اذا اردنا ان نتناول الحديث عن المرأة العربية إبان العصر الاموي، الفينا انفسنا حيال ظاهرة خاصة، يكاد يمتاز بها هذا العصر من بين سائر العصور التي تعاقبت على التاريخ العربي منذ القديم حتى اليوم. ذلك انه حين نتحدث عن هذه المرأة، لا يصح لنا ان نختار طرفاً معيناً من اطراف الحياة العامة يومئذ، ثم نجتذي به دون ان نتخطاه الى سواه. لان المرأة العربية في ذلك الدور الانقلابي، لم تكن لتكتفي بالامر الواقع، وتقنع من حظها في الحياة بالانوثة الوادعة التي ارادها الله عليها. بل هي كانت لا تني عن التطلع بآمالها ورغباتها الى ما وراء ذلك، طمعاً في حياة ملبئة، تترك وراءها آثاراً ملموسة.
ولعل هذا الطموح العنيف، هو الذي جعلها شديدة الحرص على ان تكون قريبة من العوامل التي كان لها اثر واضح في تكوين الاحداث الهامة او توجيهها !.
ولا بد من الاشارة الى ان المرأة العربية قد وجدت في الظروف التي احاطت بالعصر الاموي، ما أغراها بهذا الطموح، لهذا ودفعها الى المساهمة في الحياة العامة على قدم المساواة مع الرجل، بل ربما وجدت ما اتاح لها ان تتقدم عليه في كثير من المناسبات! وذلك ناتج عن ان الوضع الاجتماعي للامة العربية، كان يخضع يومئذ، لتقاليد قومية امعنت بالتسامح بحيث نستطيع ان نزعم انه لم يتوفر لاي مجتمع مثلها او قريب منها في عصر من العصور!.
ولقد سار الدين في محاذاة هذا التسامح، بل ايده وجعله يستمر بدون تحرج او حذر، وآية ذلك ان الطواف حول الكعبة، وهو احد مناسك الدين المهمة، كان يجمع ما بين المرأة والرجل في صعيد واحد وفي آن واحد. ولم يكن مثل هذا الاجتماع سبباً ظاهراً او مستتراً في اية مشكلة دينية، ولم يتصد له بالاحتجاج او الاعتراض اي واحد من فقهاء العصر او محدثيه.. وبقيت الحال كذلك في الطواف حتى شاع في الناس قول الشاعر:
يا حبذا الموسم من موقف وحبذا الكعبة من مسجد
وحبذا اللاتي نزاحمنا عند استلام الحجر الأسود
وبلغ ذلك مسامع البلاط في دمشق.. عندئذ امر خالد القسري عامل سليمان بن عبد الملك على الحجاز بالتفريق بين الجنسين خلال الطواف كيلا تكون فتنة تصرف الناس عن مناسكهم.
على ان هذا التدبير لم يتعد الصفة الادارية البحتة ثم انه لم يتجاوز حدود الكعبة. وهذا لا يعني ان تلاقي الجنسين لم يعد ميسوراً، او انه اذا تيسر، فانما يكون في نجوة من الرقباء او على حذر من اصحاب السلطات، كلا فالموسوعات الادبية التي نقلت الينا اخباراً صادقة والواناً صريحة عن ظواهر المجتمع العربي في خلال عصوره ودوله قد وضعت بين ايدينا طائفة غير قليلة من الحوادث التي
تداخلت فيها حياة الرجل مع حياة المرأة.
ان اول ما يعرض للذهن حينئذ كرا المرأة، هي تلك الصورة العابثة التي تزين المجون وتغري بالفجور وتوحي للشعراء خيالات الحب واللذة والمتاع. وهذه هي الفكرة التي تركزت في افهام الناس عن المرأة على تقلب الايام وتعاقب الاجيال، على ان طبيعة الحياة السياسية التي تبلور فيها العهد الاموي، اعطتنا اكثر من دليل على خطأ هذه الفكرة، او فل ان شئت على تطرفها.
ولقد كان الحجاج بن يوسف الثقفي سيف بني امية وطاغيتهم يلبس هذا التدخل ويود لو يجد منه او يزيله البتة، وبقيت هذه الرغبة تتعاور نفسه فلا يجد سبيلاً الى اعلانها حتى اذا كان عند الوليد بن عبد الملك، مرة، دخلت عليها جارية فساررت الوليد ومضت ثم عادت فساررت ثم انصرفت فقال الوليد: اتدري ما قالت هذه يا أبا محمد، قال الحجاج: لا والله، فقال الوليد، بعثتها ابنة عمي ام البنين بنت عبد العزيز، تقول، «ما مجالستك هذا الاعرابي المتسلح في السلاح، وانت في غلالة ؟!» فأرسلت اليها، انه الحجاج، فراعها ذلك وقالت: «والله ما أحب ان يخلو بك وقد قتل الخلق !» فقال الحجاج، وقد لاحت له الفرصة لاعلان ما في نفسه نحو تدخل النساء في الشؤون العامة:
«يا امير المؤمنين، دع عنك مفاكهة النساء بزخرف القول فانما المرأة ريحانة وليست بقهرمانة. فلا تطلعهن على سرك ولا مكابدة عدوك، ولا تطعهن في غير انفسهن ولا تشغلهن في اكثر من زينتهن، واياك ومشاورتهن في الامور، فان رايهن الى افن وعزمهم الى وهن !. واكفف عليهن من ابصارهن بحجبك، ولا تملك الواحدة منهن من الامور ما يجاوز نفسها، ولا تطمعها ان تشفع عندك لغيرها، ولا تطل الجلوس معهن، فان ذلك اوفر لعقلك وابين لفضلك ؟!»
وهذه البادرة، اذا صحت عن الحجاج. وارجح الظن انها صحيحة. فهي تعني، ان بلاط الخليفة في دمشق وقصور عماله في النواحي، كانت ترحب بالنساء اللاتي كن يقصدنها وينثرن في ارجائها من الآراء والاحاديث ما كان يظهر صداه ومفعوله في سائر الاوساط والمجتمعات.
ولم يقف نشاط المرأة الاموية عند التوجيه والاثارة او الارشاد فحسب، بل تجاوزت ذلك الى صميم المعركة وانغمست في النضال الحزبي. وقد كانت تتصدى لكفاح خصومها بلسانها اذا وجدت فيه غناء وكفاية.. وبلسانها اذا وجدت ان لا بد منه لكيانها..
واذا عدنا الى التاريخ لوجدنا ان العصر الاموي يكاد يكتظ باسماء الكثيرات من اللاتي خضن المعارك الحاسمة، وابين فيها بسيوفهن ودمائهن، ولوجدنا ان طائفة منهن ضربن القدوة للرجال في طلب الشهادة والموت في سبيل الفكرة والعقيدة والمبدأ !.
