


مطلع نوّار، في فلورنسة، على ضفة من بحرنا الازرق الحلو، وقد انتثر البشر انتشار النجيبات في السماء ليلة صيف، يرفعون اغنياتهم ابتهالاً لواهب الدفء والزهر والفلك الصافي، ويرقصون ويعيشون، ساكبين رحيق ارواحهم واجسادهم دمعة امتنان لمسيغ الحب والربيع - البيوتات خلو من اصحابها، وفي المروج والساحات فيض خلق، وافانين الشجر ترمق ضرباً آخر من العناق - حتى الشيوخ يمرحون، فحب الجمال حكمة، والنسوة تستعيد ذكريات، الصبايا يلتئمن في صفيف من عقود ويهين الشبان من طرفهن نظرات شزر تفعم بالاغراء كأن حثاً ينقص هؤلاء، والصغار يلهون لهوهم البري، وكل ما يرون حمق -
في مطلع نوّار، يوم عيد الحب والربيع والشعر والجسد، عرفها دانته، طفلة لما تبلغ التاسعة وطفل خطاها اشهراً. رأى ثوبها القرمزي، وحدق في قرمز ضمنه. ولعبا وانعما النظر في بعضها، وما دراها بث اصوات تطنطن في قلبه قبل اذنه: هوذا إله جبار يسيطر عليك، ها عهد سعدك قد استهل... وارتجف، اي سعد لم يحمل معه تباريح بؤس، ومع الورد شوك وقبل الشهد عقصات؟
سنوات طوالاً غابت عنه، وما غابت عنه ليلة.
وكانت تسعة اعوام، ورآها صبية نضج فيها ما عهده فجاً وتبرعمت زهرة مئداة، تسير وحولها فتاتان من صديقاتها الحسان، لا تحسدان ما فيها من جمال يكسف جمالها، وان حق لها الحسد، بقدر ما يغبطان نفسيهما على منحة مرافقتها.

وعرف فيها احلام مائة شهر، ودار رأسه كنشوان، والتفتت اليه، وابتسمت محبة. قليل ما فعلت يا بياتريس، لكنه ما يطلب فوق هذا. ابتسمي له، ففي ابتسامتك عزاء وفيها بعث هناء.
وعادت اليه ليلتها، على ذراع رب
الحب، يحمل في يسراه قلب الحبيب المتأجج، واطعمها اياه.
وراحت لياليه كلها مشاهد، تتزيى له فيها بشتى الازياء، وايامه كلها حسرات وآهات طبعت اسمها عليها واخرجتها واخرجها مقطوعات وقصائد.
كنت له بلسماً يضمد الجراح، فلم رحت تنكأينها؟
رآها يوماً، وما اقل ما رآها، في حفلة عرس، فارتعش وغاب عنه لونه، ولمحت تغيره صديقاتها، فاخذن يهزأن به. واخذت هي ايضاً تهزأ به... وبح وبح، أفي الاطهار يكنز اثم؟
انها لا تهيه غير بسمة هو بها راض، فلم تأبى حتى هذه عنه؟ ألانه ينظم في سواها؟ بأي حق تبغي الاستئثار به، أَخذٍ بغير عطاء؟ ليتها تدرك ما به، فترى انه عشير اسم سواها في شعره حباً بها، ليبعد عنها الشبهات والاقوال، وليس في فؤاده قدر قلامة لمخلوق آخر في الارض. انها كل حياته وشعره واحلامه، وان كانت لا تتراءى له الا نادراً.
يوم ماتت، بنت خمس وعشرين... ألم يمت هو قبل موته مرتين؟ ظهرت له ميتة في حلم فمرض اياماً وغابت عن الوجود فمرض اشهراً كاد يلحق فيها بها. لكن اي فرق له بين حياتها والموت؟ الحب - ابتغير حبه بغيابها؟ ايملكه البعاد؟ لكن هل كان هناك وصال؟ ما ارحمك يا الله، رأيت عالم الآلام والزفرات غير لائق لتحيا به هذه الملك، فرفعتها الى عالم الاثير السامي.
لا يا بياتريس، قد كنت له اكثر مما حسبت وفوق ما ظن: كنت بعث صلاح،