فما ان ولّيت حتى فاز عليه الاثم، فراح في علاقات غرامية تنبع عن الشهوة ولا يتعرف عليها الحب. وسيتزوج، لا تقطبي جبينك، فقلبه لم ينس والحب غير الزواج - اقطب جبينه يوم تزوجت، رغم العقارب في كل انحاء جسمه؟
سيخلد بياتريس، وسيخلد هذه البسمات وذاك الحب، سيقول فيها ما لم يقله شاعر في امرأة... لكن انتظري سنوات، فهو يشعر بعجزه، وبأنّ ان يقول فيك دون ما تستحقين. انتظري، ان عهد «الفردوس» غير بعيد.
سيغوص في اعماق الجحيم، ويتجول في مطارح المطهر، ويصعد في سحيق الفردوس، يسعى اليك...
ما اطهرك يا بياتريس، كنت جمالاً فاضحيت خيراً - ترى هل لمح فرقاً؟ نزلت لفرجيل وجعلته يرشده في دركات الجحيم، حتى اذا ما وصل المطهر بزغت له من خلال الغسق الوردي في سحابة من رياحين، ترتدين المحبة بلون اللهب وتلتحفين بالامل اخضر وتتحجبين بالايمان ابيض، وتكلّلك اغصان الزيتون حكمة...
ايحتاج الى الفردوس، بعد وقد رآها؟ ما اقساها، اساعة اللقاء تشرع في تأنيبه؟ قد ارتكب معاصي، ونظر الى سواها، ولم تردعه زياراتها لكل ليلة - انه يعترف بهذا، ويبكي، ويطلب الغفران متندماً، افلا ترأف به؟ ليس ملوماً وقد حجبت جمالها عنه، فمن اين ينبع له داعي الصلاح؟ ها هو صامت، خشع، يرى جمالها ولا يستطيع استيعابه، فذاك يحتاج لقوة إله، ويظل، كما قضى ايامه، في احلام. كيف يصفها؟ ليته يستطيع. ليتأمل فيها إذاً، يكفيه تذوق ما فيها فلا حاجة لوصفه... وتنقلينه من مكان في المطهر والفردوس لمكان، وتشرحين له اسرار الملكوت - انظنينه يعي يا بياتريس ما تقولين؟ فيم تحدقين - انك تنظرين الى هذا الرسول
وذاك، وترتعشين حين ترين السيدة العذراء... اما هو، اما هو فلا ينظر الا اليك ولا يحدق الا فيك...
ماذا فعلت يا بياتريس، لم هجرته غب عونك له؟ ارسلت له قديساً يرشده - ما له وللقديسين؟ انه يريدك انت... وينظر الى فوق، فيراك فوق عرشك الاثيري وقد انقشع عنك ما كنت تتحجبين به من رموز، فاذا انت كما كان يراك اولاً وابداً، امرأة امرأة...
اصغي اليه، يبعث تضرعاته سخية ساخنة، يطلب منك غوثاً: خذي برنارد الذي استبدلت بك، وعودي. وتجيبينه يا بياتريس، تجيبينه بابتسامة، فيكتفي ويصمت. ويظل ينظر: قد تجودين باخرى، لكنه يذكر تحذيرك له: ابتعد عن بسماتي، فقد تصرعك يوماً - اما صرع «سيميله» بهاء «زفس»؟
ويسير في الفردوس، حاسر الرأس... ويتساءل الناس لمَ لم يصف دانته جمال ما في الفردوس؟!

