أرأيت الصادي في البادية يلفحه حرها المذيب ساعة الهاجرة فيقع على الجدول العذب ينهل منه وينهل حتى يكاد الا يرتوي؟؟ تلك صورة عن ابنة بلادي وظمأها للعلم ... ثم امررت بقصر شامخ الذرى تتلألأ الانوار فيه، وحوله عشرات الجياع، كلٌ ينتظر نصيبه حتى اذا ما اقفل الباب واطفأت الانوار عادوا من حيث اتوا وعلى وجوههم كآبة صامتة؟؟ ذلك منظر يرى على ابواب مدارس فلسطين الاميرية في بدء كل عام دراسي.
مررت بالامس امام مدرسة المعارف في المدينة فاذا بعشرات الامهات تمسك كل واحدة بيد طفلتها وتعود من حيث اتت.. تقدمت من احداهن وسألتها عن السبب فاجابت: «ليس لها مكان في المدرسة، انه الجواب الذي سمعته في العام المنصرم عندما سجلت اسمها ...» فسألتها «وماذا ستفعلين بها؟..» قالت: «ادخلها احدى المدارس الاهلية.» وابتلعت غصة في حلقها واردفت: «وادفع عنها مرتباً شهرياً..»
ولا تسلي بعد ذلك كيف يحرم من العلم من يدفع ضريبة العلم؟؟ ولا تسلي اين تذهب الضرائب الباهظة التي يدفعها المكلف العربي وعلى رأسها ضريبة معارف اضافية!.. فالجواب عند المبلغ المخصص للمعارف الذي كان عام ١٩٢٤ ستة بالمئة من الميزانية العامة فاصبح عام ١٩٤٥ ثلاثة ونصف بالمئة من هذه الميزانية... والجواب عند ادارة الامن التي تبتلع ما تبتلع في هذه البلاد التي ابتلاها سوء الطالع المدلهم بما ابتلاها... هذه البلاد التي ظلت لسبعة وعشرين عاماً جريحة دامية تردد مع الشاعر:
لا تسلني عن جراحي انني
كلما داويت جرحاً سال جرح
ثم اياك ان تتساءلي كيف يجوز لليهود جيراننا ان يتسلموا ادارة معارفهم فتتسع لكل طالب وطالبة ويتمكنوا من تعليم عشرة الاف طالب تعليماً ثانوياً بينما ليس لنا نحن الاكثرية الا الف طالب يتعلمون العلم الثانوي؟.. واياك ان تتساءلي كذلك كيف يجوز لهم ان يضعوا برامجهم بانفسهم فيخلقوا من كل طالب وطالبة مخلوقاً ثائراً طامعاً في فلسطين العربية بينما يحرم على العرب الا السير بموجب البرامج التي تضعها لهم الحكومة المنتدبة؟.. اياك ان تتساءلي كيف ولم، فتلك هي المساواة في القرن العشرين.. وتلك هي العدالة التي
حاربت الشعوب الكبيرة المسكينة لتوفرها لنا نحن الشعوب الصغيرة الناكرة الجميل الكافرة بالنعمة..!
ولئن تحدثت اليك عن هذا الازدحام وهذا الاجحاف فارجو ان لا تظني بان الاهلين صابرون على مضض يرضون ان تضيع الفرصة من ايديهم.. فالمدارس الاهلية تفتح في كل مدينة وقرية.. والاقبال عليها منقطع النظير اقبالاً يدفع حتى بالطبقة الكادحة العاملة التي تقتطع من قوت اطفالها لقمة تشتري بها ادوات مدرسية للطفلة راجية متوسلة لكي تقبل في المدرسة الاميرية، ويدفع بهذه الطبقة نفسها فتقتطع لقمة اخرى من افواه اطفالها لتؤدي رسم المدرسة الاهلية. واذا ما تصورت ان


