مدينة كعكا ، لا يتجاوز عدد سكانها ١٦ الف نفس ، تحتوي على مدرسة اميرية تكتظ بـ ٨٠٠ طالبة وخمس مدارس اهلية تكتظ بمثل هذا العدد ادركت مبلغ الظمأ للعلم والاقبال عليه .
وبعد ، فاليك صوراً من صميم الواقع عن هذه الناحية العلمية ، لا اعتقد ان امة في الارض تستطيع تقديم مثلها . تعني بها واحكمي بنفسك .
خمس او ست طفلات من هذه القرية لا يتجاوز سن الواحدة منهن العاشرة يحملن طعامهن وكتبهن ويسرن مشياً على الاقدام الى القرية المجاورة ليتلقين العلم في المدرسة التي هي اكبر من مدرسة قريتهن .. يذهبن صباحاً ويعدن مساء في حر الصيف وبرد الشتاء .
غرفة في المدينة يسكنها اربع او خمس فتيات انهن الصف الاخير في مدرسة القرية فغادرتها الى المدينة ليكملن علمهن .. يضعن طعامهن بايديهن ليلاً ويتعلمن نهاراً . افلا يعطيك هذا صورة عن الفتاة العربية بنشاطها واعتمادها على نفسها ؟؟
بضعة قرى صغيرة امثال « الشجرة .. سوطم » وغيرها ليس فيها مدارس للاناث . يطلب الاهلون ويلحفون في الطلب لكي تقبل البنات في مدرسة الذكور .. حتى اذا تم لهم ذلك خرجوا على التقاليد والعادات واجلسوا الفتاة بجانب الفتى تتلقى العلم ..
قرية تسمى « عين غزال » في قضاء حيفا سكانها الف وبضع مئات فيها مدرسة متهدمة للذكور . جمع الاهلون مبلغاً من المال ليصلحوها ثم قرروا ان يقيموا به مدرسة جديدة مكونة من ثلاث غرف : فلما ارتفعت الحيطان دب الحماس في النفوس فاقسموا الا ان تكون خمس غرف .. وجمعوا المال من جديد من القرية نفسها واكملوا المدرسة .. ثم اصلحوا القديمة
وحولوها الى مدرسة للاناث .. مدرسة للاناث في قرية لا تتجاوز ١٥٠ بيتاً ..
اما الصورة الاخيرة فلعلها اقل الصور كلها فقد كنا في طريقنا الى حيفا .. ومررنا « بعرب الغوارنة » وهم بضعة عائلات من البدو تنصب خيامها بجانب النخيل وتأوي اليه صيفاً شتاءً .. وفي طريق السيارة وقف بضعة اطفال من ابناء هؤلاء البدو يرفعون ايديهم مشيرين لنا بالوقوف فوقفنا . وتقدم الصغار يلتمسون منا ان نصحبهم الى حيفا ، الى المدرسة ، لان القطار قد فاتهم . وفعلنا ، ويا لسرورهم .. ووصلنا المدينة فنزلوا ووقف اكبرهم يفك عقدة في خرقة اخرجها من صدره ، ثم يمد يده الينا بثلاثة
قروش اجرة السيارة .. وضحكنا حتى لم نستطع ان نضحك واعدنا الدريهمات للصغار وما كان ابدعه ايمان طفل شرقي يرفع يديه الى السماء ويصيح ونحن نمضي .. « روحوا الله يوفقكم »
يا امة هذه يقظتها يقظة يراها الحاكم فيعجب ، ويراها الغازي فيهلع قلبه وهو يقول : نحن اقوى منكم بالمال وبكل شيء ولكننا لا نخشى الا هذا الاقبال على العلم . يا امة تستند نهضة المرأة فيها على اسس من العلم قوية .. سيري على بركة الله والغد لك ان شاء الله .

