دعتني جمعية الاصلاح الريفي لالقاء محاضرة في مهرجانها السنوي فوجدتني امام جمهور من التلامذة بينهم عدد من الشبان العاملين لاصلاح القرية اللبنانية وعدد غير قليل من القرويين الهابطين من الجبال خصيصاً لحضور هذه الحفلة. وبعد استهلالية موفقة بعض التوفيق خطرت في بالي نكتة سمعتها مرة من ماجن شاء المبالغة في حسن مناخ بلدته وطول اعمار سكانها، فقال انها لم تعرف حادثة وفاة واحدة، فاضطروا الى اعدام شيخ طاعن في السن لكي يؤسسوا مقبرة. فاصابت دعابتي هذه حظاً لدى الجميع ما عدا الزاوية الخلفية من القاعة حيث لاحظت لغطاً مريباً تخلله شيء من السخرية اقرب منه الى الضحك.
وانتهيت من خطابي قبل الاوان تحتني رغبة ملحة لاستطلاع الداعي الى تلك الضوضاء، فرعت نحو مصدرها شاقاً طريقي بين اكتظاظ المنصرفين، واذا بي وجهاً لوجه ازاء شاب غريب المظهر يندفع نحوي وعلى محياه سمات العتب والألم، وهو يقول «وانت ايضاً تهزأ بي. مالكم كلكم لا تصدقون؟» وهمّ ان يقول شيئاً آخر، وهممت انا ان ابرىء نفسي مما ظنه بي مؤكداً له ان لا علم لي بما يقصده. ولكن ضاق المقام دون ذلك اذ ادركتنا زمرة من التلاميذ يهمس احدهم في اذني: «هذا مجنون هارب من العصفورية» ويهمس آخر: «كنا معه في جدال طويل فهو لا يريد ان يفهم». وآخر يقول: «انه يدعي المجيء من قرية لا وجود لها في لبنان!» وكنت كلما حرضني عليه واحد ازداد فضولاً لمعرفة حقيقة هذا الرجل، فأخذته بيده الى ناحية هادئة من النادي وجلسنا الهزيع الثاني من الليل، اسقيه القهوة ويبادلني الحديث.
اول ما ادهشني، قبل ان اسمع قصة هذا الشاب، هو لباسه القديم الذي لم يعد

