يزيدني علماً عن شؤون قريته بما زادني حيرة وداخلتني الشكوك في سلامة عقله لولا انسجام افكاره ومطابقتها لوقائع تاريخية . فقد استنتجت من حديثه انه ينتمي الى طائفة انشقت عن الموارنة لخلاف حصل في صدر القرن الثالث عشر وهي تدّعي المذهب النسطوري ، وانها تحدرت من سلالة المردة الاصليين ، فأدى الانشقاق الى اعتصامها في معقلها الحصين ، الى ان نسج الدهر عليها غشاء النسيان .
وهكذا صرفنا اكثر الليل وانا اعلل نفسي بآمال تسلبني حماقتي لاقتحام هذه التهلكة دون استعداد كاف ، غير مسترشد الا بأيامي بهذا الشخص الغريب الذي لم اعرفه اكثر من يوم . وما زلنا نحث الخطى حتى انتهينا الى جدار صخري شاهق ظننته آخر ما يمكن ان تطأه رجل بشري ، فقادني جروس الى كهف وراء غابة من الهشيم والعليق وكأنه يدلني على سر لا يعرفه من الخلق سواه ، قال : « اتظن احداً فكر يوماً ان يسبر غور هذا الكهف الى ما وراء ظلامه الحالك ؟ كلا ، بل ... نعم ، اذكر واحداً فقط دخل ولم يخرج . اما انت فلا خوف عليك طالما تتبعني . هات يدك » .
سلمته يدي وولجت وراءه من منعطف ضيق الى آخر اضيق وانا الوم وهو يعرف هذا كيف انه لم ينبهني لحمل مصباحي الكهربائي ، فأقسم بحياة شما انه لم يسمع في حياته بوجود هذا النوع من المصباح . ثم اخذ يقص عليّ حكاية رجل نفذ مرة الى بعكورة وسبق الى مقام الشيخ غرود حيث ادلى لهما تيسر من اخبار لبنان ، فصرفه الشيخ متظاهراً انه يريد له العودة لوطنه اما المسكين فانه لم يبلغ مكاناً مضروباً خارج القرية حتى اعترضه السفاحون والقوا به في وادي المهالك .
وبعد مسير دقائق كانت في نظري اطول من يوم الحشر لاح لنا ضوء الفجر
وانفراج باب الكهف من الجهة الثانية عن عالم جديد مجهول ، فتنفست الصعداء ناشقاً معه نسيماً بليلاً انفتح له صدري ولم اعرف أكان يحمل في نفحاته عبير الصعتر والوزال أم عبير آخر فيه بلسم الحياة .
وقفت مشدوهاً ووقف صديقي صامتاً كي لا يفسد عليّ تأثير النظرة الاولى .
في وسط صحن لا يزيد قطره عن النصف ميل وتكتنفه الجبال من الجهات الاربع ، قامت ضيعة صغيرة مؤلفة من بيوت حجرية لها سطوح ترابية منبسطة كالبيوت اللبنانية القديمة تمتد لجهة الشرق الى سفح عال حفرت فيه مناسك عديدة . فسألت رفيقي فيما اذا كانت هذه المناسك آهلة بالرهبان ، فقال لي ان اكثر الرجال ينصرفون الى حياة الزهد في مطلع شبابهم وهذا من اكبر الاسباب لقلة التوالد ولعله بعض السبب في طول الاعمار . غير ان تعمير هؤلاء لا يقاس شيئاً بالنسبة الى ما بلغه الشيخ غرود الذي قال لي انه يتصل رأساً بالجد اخنوخ ، فابتسمت لمبالغة جروس ، وسألته فيما اذا كان هو ايضاً ينوي الرهبنة ، فتنهد واعترف لي للمرة الاولى انه ينوي الزواج من فتاة اسمها شما ، وطفق يصف لي جمالها ونزعتها للحرية واتفاقها معه فكراً ومشرباً ، وبهذه المناسبة افضى لي بشيء عن حركة تحريرية يجرب ان يقوم بها مع شما - اخت الرجال كما وصفها لي تكراراً - ومع عدد من الشبان الذين اصبحوا يفضلون حياة قصيرة وعزيزة على حياة طويلة من الذل والخنوع .
واخذتني نشوة من ذلك الهواء الطيب والمنظر الخلاب فالتفت الي جروس وهو يقرأ ما يجول في خاطري وقال : « جميلة نعم ، ولكنه جمال آسن . جمال غدير ركدت مياهه ففسد ولم يعد يصلح الا للضفادع مسكناً وللزؤ[...]ت مورداً . في هذه القرية كل صالح أ[...] بذ حرام وكل
خفي حلال . ان الشيخ يمنع العلم والحياة الاجتماعية خوفاً على كيانه فيقتلها قتلاً ، كذلك هو يجرب ان يمنع اختلاط الجنسين والمسكر والتدخين ولكن هذه كلها تمارس سراً لان عوامل الشر في الانسان هي اقوى من عوامل الخير » .
ثم ادار وجهه شطر الجدار الشاهق الذي دخلنا منه وقال : « هذا بيننا وبين العالم ! » .
قلت والحيبة في صوتي : « هذا يحتاج الى حكومة فعالة والى منظمات قوية لكي تشق فيه طريقاً . غداً ، في المستقبل ، انشاء الله » .
شعر الشاب بما تولاني من الضعف فقال : « رأيت بعينيك . لا اطلب منك اكثر . ارجع الى بيروت واكتب في الصحف واخطب وبشر » .
يا للحيرة ! ايكفي بعد عذابي كله ان شاهدت بعيني من بعيد وحملت معي صورة مبهمة تبدو كأنها رسم لاية ضيعة اخرى من ضياع لبنان ؟
لم يخف عني جروس خوفه من سوء يصيبني ومن انكشاف امره فتطوع ان يرافقني في الخروج من النفق فاقترحت عليه ان يتركني أتم مغامرتي وحدي وينصرف هو في سبيله كأنه لا يعرفني . وسألته : «ما نوع السلاح الذي تستعملون ؟ » قال : « لا نزال نستعمل الطنبجة والغدارة والفؤوس ، ولكن لا خوف عليك من هذه فقد يمنع الشيخ استعمالها ضدك كي لا تحدث ضجة تستثير فضول الاهلين وهو على ما اظن يعلم بان الحالة متوترة في قريته . ان طلقة واحدة من البارود قد تعكر سكينة هذا الوادي أو تبدأ حرباً بين العساكر والاهلين . ويؤسفني ان العساكر في الوقت الحاضر هم اوفر استعداداً . ولا خوف عليك داخل القرية طالما يستطيع الشيخ ان يستفيد منك شيئاً عن احوال العالم . انما الخوف هو اثناء رجوعك اذ
