لا يريدك ان تعود الى بيروت فيبعث سفاحيه ليكمنوا لك في الممر الضيق ويلقوا بك في وادي الممالك حيث تختفي آثارك عن كل عين ولا يبقى هنالك مجال للاراجيف». وتطلعت فاذا بنا امام هوة سحيقة علينا اجتيازها بمنتهى الحذر فيما لو تابعنا المسير نحو الضيعة. ونصحني جروس ان ارجع قبل العتمة حتى لا اوخذ غدراً. وبعد ان استوينا على منبسط من الارض وثيق ودعته متمنياً له الخلاص، وودعني متمنياً لي التوفيق.
سرت وحدي بين الكروم واغراس الخوخ والتفاح وانا لا المح اثراً لحي الا لابقار واغنام وماعز سارحة في جوانب الجبال التي تكسوها احراج السنديان والشربين. وكنت كلما خطوت خطوة اشعر ان سكينة ثقيلة تضغط على قلبي فلم استأنس الا عندما اطلت على شيخ مسن يقلم كرمته، فما ان رآني هذا حتى وقف مبعوتاً لا يعي ماذا يعمل أو يقول. وبعد حركات عصبية صامتة اخذ يضحك مني ضحكة عنيفة مستهجناً قيافتي ثم قال: «ومن انت؟» فابتدعت له قصة لم يقتنع بها بل رأيته يهم ان يصيح فرجوته ان يسكت طالباً اليه ان يدلني على مقر الشيخ غرود، فعاد الى قهقهته وهو يردد: «انت تريد البطرك، هه هه هه ... انت تريد البطرك».
فأثبت هذا لي قول جروس ان الشيخ غرود عندهم هو الحاكم والبطرك وصاحب كل سلطان.
وقدمت له سيكارة فالتفت يمنة ويسرة محاذراً ان يراه احد والتقطها يدخنها بنهم فسألته عن سبب قلقه فقال: «اخشى ان يراني ابي فيعنفني». قلت مستغرباً: «ابوك؟» قال: «نعم، ليتك عرفت ابي فهو غيور قاس لا يعرف الرحمة. تعال معي اقدمك اليه» فأخذني الى بيت تشعبت مداخله وكأني، اثناء مروري فيها، في كل
ثقب عين ترمقني دون ان اسمع همسة واحدة، واذا بي امام شيخ اندلعت لحيته حتى وسطه وانتصب راكعاً في الزاوية تقدح عيناه شرراً، فلم نقف عنده لان دليلي حالاً اخرجني وهو يقول: «انه غضبان، فقد قاصصه ابوه لعناد بدر منه» قلت: «ابوه! يعني جدك؟» قال: «نعم جدي. تعال نزوره» وهكذا مضى بي من شيخ الى شيخ حتى وجدتني ضمن دار فسيحة لها اعمدة حفرت في صلب صخرة جبارة يخفر مدخلها شيخان مدججان بالبنادق والفؤوس. وكأن الشيخ غرود كان قد علم بوجودي في قريته اذ رأيت حاجباً يتقدم مني، ودون ان يجير كلمة، يسوقني في رواق مظلم الى شبه مغارة مزخرفة الحواشي فرشت ارضها بالسجاد والطنافس واستوى في صدرها عرش تبينت فوقه شيخاً تناثرت لحيته على وجه كوجه المومياء لم يبق للحياة اثراً فيه الا عينان تبصان وشفتان تتحركان بكلمة «اجلس».
جلست اليه فبادرني بالسؤال دون ان يلتفت الي: «كيف تمكنت من الوصول الى بعكوره؟» فأجبته اني ضللت السبيل واخترقت كهفاً أدى بي الى قريته وساقني الحظ للمثول امام حضرته، فلم يكترث بمجاملتي بل قال: «هذه اول كذبة، ومن أين جئت؟» فصعقت لهذه المجابهة وبدأت فرائصي ترتعد اذ قلت: «من بيروت»، قال. «اخبرني عن لبنان. هل جلا الافرنجي عن طرابلس؟» فظننته مطلعاً على حوادث هذه الايام وبدأت بسرد الاخبار فاذا به يسألني: «والامير جمال الدين، ألا يزال مستبداً برعيته؟» فاستفهمت: «أي جمال الدين هذا؟» قال: «جمال الدين التنوخي. أتسكن بيروتاً ولا تعرفه؟ اذن انت تكذب». فاحسست عندئذ دمي يجري بارداً في عروقي وتأكدت من وجودي لدى مخلوق يعيش
في الماضي السحيق، لاصلة له بالعالم الحاضر وكنت كلما حدثته عن شؤون البلاد كما عرفتها انا كلما حدثني هو عنها كما عرفها منذ اجيال. نعم منذ اجيال، فقد ذكر لي اسماء صليبية وهو يخلط لغته بكلمات اعجمية. ثم سألني عن الملك الظاهر والسلطان المنصور وجربت على سبيل المبادلة ان احدثه عن الامير فخر الدين المعني الثاني، فالامير بشير الشهابي الكبير، فتقلص ظل الدولة العثمانية عن الاقطار العربية، فاستقلال لبنان. فكان يصرف حديثي باشارة من اصابعه كأنه ينفض غباراً عن ثوبه ليفهمني انه لا يعلق اهتماماً على هذه المعلومات بل رأيته يعود الى حدسه وكدت اذوب وجلاً اذ قال لي بلهجة التهديد: «نحن اللذين قهرنا الامير بيدرا وشردنا رجاله في اوعار كسروان ولكن ...» وهنا احتدم صوته وتجهمت سحنته: «في تلك المعركة قتل والدي على يد المغضوب عليه شمس الدين سنقر، وبعد هذا كله خانني الموارنة وتآمروا عليّ مع ملك فرنسا الملعون الذكر، فلن انسى ابداً ... وسيأتي يوم انتقم فيه شر انتقام» وبعد صمت قليل فطن ان يسألني: «ومن أي ملة انت؟» فتحيرت ماذا اجيب، فقلت بعد تردد قليل: «انا من النساطرة» قال «كذبت ثلاثاً. قل لي من ارسلك جاسوساً علينا؟» وقبل ان احاول تبرئة نفسي من هذه التهمة حضر شيخ بشباب الرهبان وقدم لي على صينية من الفضة كأس نبيذ احمر فلم ادر كيف اعلل هذه الضيافة مع ما سبقها من التهم الشنيعة وبدأت اضرب اخماساً باسداس اذ ربما احتوت هذه الحمرة سماً، عقاباً لي، أو ان تكون هي كأس الاعتراف المصطلح عليها عندهم اودع بها الحياة، ولكن رائحتها فاحت تعطر جو ذلك المكان المرعب وحركت بي شهية لا تردع فمددت يدي وادنيتها من فمي وقبل ان تمس شفتي
