
تذكرت عبارة جروس وعرفت أنني شارب أعتق خمرة في العالم. ودون أن أحسب حساباً لشيء رشفتها دفعة واحدة قائلاً بنفسي: «تباركت الكرمة التي حملتك والدنّ الذي وعاك».
أفقت من نشوة لا أعلم أطالت ساعة أم دهراً أبصرت فيها أحلاماً وردية لم تبق لذة إلا نعمت بها وسمعت صوت الشيخ يقول لي وهو ما يزال جالساً كالصنم: «إن تختار العودة إلى بلدك أو أن تبقى معنا تعاقر خمرة الخلود... وسوف نحسن ضيافتك كما أحسنت أنت ضيافة ولدنا جروس».
سقطت عليّ هذه الكلمة كالصاعقة وفتّت في عضدي إذ قطع عليّ كل سبيل للنكران فقلت: «نعم يا مولاي.. نعم جربت أن أقوم ببعض الواجب، ولكن ليس بإمكاني البقاء فعندي في بيروت عيال و... ولكن أين صديقي جروس؟» فأشار إلى شيخين واقفين بالباب أن يأخذاني إلى مكان ذكره بلغة لم أفهمها ولا تسل عن اضطرابي عندما افتقدت مسدسي وآلتي التصوير وعصاي فلم أجدها، وكانت الشمس قد مالت نحو الأفق وسطع أشعاعها داخل المغارة من بين الأعمدة فاتضحت لي هيئة الشيخ نمرود يشيعني بنظرة لا أثر فيها للعاطفة بل شعرت كأنه بطل على نفسي المنسحقة، من أعماق الدهور.
وشاء النحس أن يكتمل عذابي في ذلك النهار المشؤوم بأن التقيت في البهو الخارجي شيخين آخرين يقودان جروساً مخفوراً بالفؤوس في ذات الطريق الحجة وادي المهالك. فالتفت إليّ من بعيد وقال «علقنا!» ولكنه ظهر أهدأ مني خاطراً وأربط جأشاً.
أما أنا فاسودّت الدنيا في نظري وساورني ندم لمغامرة جرت عليّ وعلى صديقي شراً كنا في غنى عنه وأسفت لإقراري لدى الشيخ بما كان من حسن
ضيافتي لجروس غير عالم أنه هو أيضاً وقع في الشرك. أصبحنا بالقرب من وادي المهالك فتطلعت ورائي فإذا بجروس مع خفيريه يكادون يدركونني وقد لاحظت أنه لا يزال سائر بخطى ملؤها الثقة والعزم فما أن وصلنا إلى هوة الخطر حتى دوى طلق ناري أردى الشيخ الذي كان يحرس يميني فخر متدحرجاً إلى الحضيض وانشغل
الخفير الثاني عن يساري بإشهار سلاحه على شرذمة من الشبان تنحدر من بين الصخور بقيادة فتاة رائعة الجمال جبارة البنية تشهر سيفاً وتهوي به على رأس أحد الشيوخ وهي تصيح: «هذه اكراماً لعينيك يا جروس» ثم تلت طلقات أخرى سمعت في خلالها صوت جروس يأمرني أن أهرب وهو في وسط معركة صاخبة.
