كانت السيدة هيلانة جحا من نحو عشرين عاماً ولا تزال دعامة قوية من دعائم النهضة النسوية في لبنان الشمالي، فلقد قامت بأعمال في الحقل النسوي لا يستطيع ان يقوم بها الا من تحلى بالفضائل العليا واهمها الايمان بالنفس والمعرفة الصحيحة.
قصدتها الى دارها في طرابلس وجلسنا في جلسة عائلية ادبية نتناول الماضي القريب والبعيد فاذا بالسيدة هيلانة لا تزال تذكر ذلك الماضي بفخر، ولكنها وهي التي عرفت بتواضعها، شأن المرأة المثقفة الراقية، لم تشأ الا ان تنسب ما قامت به من اعمال مجيدة، لرفيقاتها في العمل...
سألتها عن ذكرياتها فقالت:
«ساهمت في الحركات النسوية الاجتماعية في طرابلس والكورة عن طريق الجمعيات الخيرية والمدارس الوطنية.» ثم عددت لي بعض هذه الجمعيات فقالت:
«ظهرت جمعيات خيرية عديدة في مسقط رأسي بشمزين عندما كنت صغيرة لا استطيع الاندماج في عضويتها مثل: جمعية فتاة المنزل، وجمعية بنات الكنيسة. وإني لا ازال اذكر أية ضجة كانت لهذه الجمعية عندما مثلت رواية (عتليا) واي نجاح عظيم نالت تلك الرواية لانها كانت اول رواية تقوم بتمثيلها الفتيات في الكورة بل في لبنان الشمالي كله. ثم قامت جمعية جديدة هي: «باكورة الاصلاح» وغايتها تعليم البنات الذكيات وتقديم المساعدة المادية والمعونة لهن.
اما اليوم فانا عضو في جمعية متخرجات مدرسة البنات الاميركية في طرابلس التي غايتها مساعدة الطالبات المتشوقات المحتاجات لتكميل علومهن والمحافظة على حسن الصلات بين المتخرجات والمدرسة المذكورة. كما انني
عضو في جمعية اغاثة البائس التي تأسست في الفيحاء منذ عشرين عاماً وهي تضم عدداً كبيراً من السيدات والاوانس من مختلف الطوائف، وغاية هذه الجمعية كما يدل عليها اسمها، تخفيف الويلات عن البؤساء عامة. واني اشعر ان مثل هذه الجمعيات اللاطائفية، هي ما نحتاج اليه في هذه الفترة الدقيقة من حياتنا الاستقلالية التي يلزمها الكثير من الاخلاص في سبيل التفاهم والتعاون.»
ولما سألتها عن سير الحركة النسوية في طرابلس والشمال وعما اذا كانت تسير سيرها الصحيح اجابت:
«ان سير الحركة النسوية في طرابلس اليوم يبشرنا بمستقبل اجتماعي زاهر. فهذه جمعيات مختلفة الاهداف تتبارى في ميدان العمل الشريف وتسعى لتثبيت وجودها بطرق شتى، فواحدة تؤاسي البؤساء، واخرى تؤسس روضة للاطفال، وغيرها تنشئ مبيتاً، وسواها تسند معهداً وطنياً الى آخر ما هنالك من المشاريع العامة المثمرة.. وكثيراً ما تحتاج هذه الجمعيات الى تغذية صناديقها، فتقيم الحفلات الادبية والموسيقية فتنمي، بعملها هذا، التذوق الفني في الفيحاء، وتخلق فيها جواً ادبياً رائعاً هي في اشد الحاجة اليه.»
- وهل تؤمنين بمساهمة المرأة اللبنانية في الحقل الاجتماعي؟ الا يعيقها ذلك عن القيام بشؤون بيتها؟
«اعتقد ان بامكان المرأة اللبنانية ان تعمل في حقل المجتمع النسوي دون ان يعيقها ذلك عن تربية اولادها واشغال بيتها، بل بالعكس ارى ان مساهمتها في بعض الاعمال الاجتماعية تنمي مواهبها
وتزيدها خبرة ومقدرة على تربية أطفالها وإدارة بيتها.»
والجدير بالذكر ان للسيدة هيلانة خمسة اولاد، اربع بنات وصبي واحد، عمر الكبرى ١٦ سنة والصغرى ٧ سنوات. وهم مثال للتربية الصالحة والتهذيب الرفيع.
- هل لسيدتي ان تحدثني بعض الحديث عن مساهمتها في تأسيس مدرسة البنات الارثوذكسية في الفيحاء؟
- «تسألني عن المدرسة؟
لقد كانت حلماً ذهبياً في اعماق قلبي يشغل افكاري منذ اصبحت قادرة على التفكير. حلم جميل يراود اجفاني اثناء الليل ويرافقني طول النهار.
بعشر تلميذات افتتحنا المدرسة ولكنها لم تلبث وقتاً قصيراً حتى نمت وازدهرت واصبحت تضاهي ارقى مدارس البلد علماً وتهذيباً وتفوقها عدداً. واني لمتيقنة ان السبب الاكبر في نجاحها الباهر وتقدمها السريع هو التفاهم الكامل بين افراد الهيئة التعليمية فيها، والاخلاص المتبادل بينها وبين التلميذات.»
وقبل ان اودع هذه السيدة النشطة رأيت ان استطلع رأيها في مجلة «صوت المرأة» وهل لها ما تقترحه لتتمكن هذه المجلة من القيام بخدمة المرأة العربية على الوجه الكامل، فقالت:
«ان بلادنا باشد الحاجة الى مجلة نسوية من طراز صوت المرأة. وصوت المرأة، وان لم تبلغ بعد، المستوى الذي يتمناه لها اصحابها الا انها قد ملأت فراغاً كبيراً في حياتنا الاجتماعية، اما مظاهر التجدد والتحسن الظاهرة في اعدادها الاخيرة فهي تبشرنا بمستقبلها المجيد الزاهر ان شاء الله.»
وودعتها، وقرينها الدكتور جرجي جحا الذي كان لي المساعد الاكبر في الاتصال بزعيمات الحركة النسوية في طرابلس، بعد ان شكرتها الشكر كله.
«صبين»


