في يوم بعيد مرت عليه القرون والاجيال ، فتح الانسان الاول عينيه واذا بجوقة من الطيور تعزف موسيقاها وتنشد انشودة الصباح ... ذلك كان اول نغم طرق اذن الانسان الاول فاصغى وقد اشجاه الغناء ، واوحى اليه مشاركة الطيور انشادها ، فسجد وسبح ...
الاغنية لغة العواطف في الدنيا ، شرقها وغربها ، شمالها وجنوبها ، لا فرق بين ساكن باريس وساكن جبال التبت أو غابات افريقيا . فالانسان هو هو : وايما كان ينفث عواطفه نغماً .
تنضج عواطف الشباب ، فاذا بها تتدفق من فيه انغاماً ملبئة بالامل والنجوى او بالانين والشكوى .
يغترب المرء عن وطنه فيهزه الحنين اليه ، فيردد اغانيه الملبئة بالذكريات العذبة . ويعود اليه فلا يكاد يلمح سماءه من بعيد حتى يتحول الحنين الى النشوة تتدافع على شفتيه لحناً محبوباً .
يحل المصاب بعائلة ويخيم الاسى عليها ، واذا بالنيران التي تشتعل في قلبها تنتظم في رثاء حزين له نغم يهز القلوب لوعة .
اجل . انها لغة العواطف في العالم كله حتى ليخيل اليك ان الحيوانات نفسها تفهمها وترتاح اليها . فالابل تسير في البادية وتسير طروبة لسماع صوت الحداء نشيطة على وقع انغامه ... والخراف تترك المرعى اذا ما دعاها الراعي بنايه فتجتمع حوله مرهفة السمع لموسيقاه ... والبلابل اساتذة الغناء ، تلك التي تغني حتى في اقفاصها .. كل شيء يغني حتى الجمادات ... فللبحر اناشيده بين صاخبة وهادئة ، وللرياح اغانيها بين عاصفة وناعمة ... كل شيء حتى الملائكة كانت تقبل على الارض منشدة كل
ما زفت بشرى من بشائر السماء للارض.
الاغاني هي عصير آمال النفس : هي صورة ناطقة لما يجيش في الصدر من آمال وآلام ، حتى لقد اجمع علماء النفس على ان الحكم على أخلاق امة يسهل اذا ما راقبنا نوع الاغاني التي تغنيها .. وبعد ، هل رأيت الثمل يغادر الحان في منتصف الليل مترنماً يميناً وشمالاً ؟ .. ثم اسمعت صوته في سكينة الليل يردد اغنية ملبئة بالغرام الفاسد ؟ ان ما يردده هو صدى لما يجيش في صدره من اماني ... أرأيت الجندي ما ان يدق نفير الحرب ، حتى يندفع وهو يهزج اهازيجه الوطنية الحماسية ؟ ان هذه الاهازيج هي صدى لما يجيش في صدره من اندفاع ورغبة بالتفاني في سبيل وطنه .. أسمعت المتعبد ينشد من الاعماق صلواته ؟ إنه يردد صدى ما يجول في نفسه من ايمان وتقوى ...
وان للاغاني وحيها ... فلقد يبكي الطفل ويضطرب فتأخذه امه بين ذراعيها وتغني له فاذا بالطمأنينة تتسرب الى نفسه فيغفو وهو يبتسم كأنه فهم معنى الغناء .. ولقد تضطرب اعصاب بائس فيختل عقله وتختلط الدنيا امامه ، فاذا بنغمة موسيقية عذبة تسكن ما به .. وكلنا يذكر كيف كان داود يعزف على نايه لشاول فيهدى ما به ... وفي كل حالة وظرف ، لايكاد المرء يسمع صوتاً ملائكيًا الا وبشعر بانه يرتقي على جناحين الى اعلى ، كأن الصوت قد اوحى اليه ان هنالك عالماً أفضل ..
والناس كله لأثر الاغاني في النفس ، فوضعوا لكل مدرسة اناشيدها ، بل وضعوا لكل امة نشيداً تردده دائماً فتستوحي منه قوتها واتحادها ووطنيتها .
ولقد ادرك العرب اثر الغناء ووحيه ، ولعلمهم بعد اليونان اول من ادرك هذا . وعرفت المرأة العربية ربيبة القوافي ذلك الاثر ... ألست تراها تنقر على الدفوف وراء الصفوف ، تهزج واعدة متوعدة فتنشد: