بيروت هذا الرأس المريض بطل من على منكب الامة مزداداً تورماً وتضخماً يوماً بعد يوم .
بيروت العاصمة ، سوق الارتزاق ، مركز الحكم وعالي مجالس القضاء ، ميدان اصحاب المهن الفسيح من اطباء وصيادلة ومحامين .
بيروت التي تحمل في قلبها بدل الجامعة جامعتين ، وبدل المدرسة عشرات المدارس ، ينزل اليها الجبلي القروي ، ليرتزق ، ويتاجر ، ويستخدم ، ويستحكم ، ويستشفي ، ويتعلم ، ويتنزه فيستميله قلبها النابض بالسطحية الخلابة فيستبقيه ويستبدل اقامته الموقتة اقامة طويلة يفقد معها تقاليد الجبل من صراحة ، وانفة ، واباء فيتذوق التزلّف والممالأة ، و « شطارة » السلب والطمع ويتغلغل في حب المصلحة الخاصة فيجعلها من نفسه قبل كل شيء وفوق كل شيء .
هذه المدينة التي سلبت القرية شبابها ونشاطها وقوة تعميرها ، تعبر عن رأي لبنان ، تقرر مصير المجموع ، توقع وتستعرض ، تأمر وتنهي ، تفكر في الجبل كلما اطلت موجة انتخابية جديدة ، وتحرمه نعمة التعمير والانشاء والتربية ،
والتهذيب ، فان مرض القروي ولم يستدرك نفسه بطلب الاستشفاء في العاصمة قضى نحبه ، وان صرخ في عزلته دون ان يتصل بابواق العاصمة ذهبت صرخته في واد ، وان ييس كرمه وزيتونه ولم تنعم المدينة عليه بالدواء مات جوعاً ، وان اجدبت ارضه ورفعت السماء غزير امطارها فتظنه المدينة العاصمة بنعمة لانها تتمتع بالانعام ، وان قرصه البرد لعري او نقص في مواد الحريق والتدفئة حسبته العاصمة متمتعاً بالدفء والملبس ، لان شتاء العاصمة ربيع ، ولان زوايا مخازنها ودوائر جماركها مكدسة بالبضائع الجميلة الغالية ،
هذا الرأس المريض
فما ضر المدينة لو مات القروي ، وانقرض اهل الجبل والجبل ايكم لا يعبر عن رأي ولا يشترك في تظاهرة ، ولا يرفع عريضة احتجاج ، ولا يزور مثلي الدول ، وليس لديه صحيفة تظهر شكواه وتعبر عن علله .
هذه العاصمة التي تحاول خنق القرية لو كانت مدينة مثلى لتعزى القروي برؤية قيم معنوية تقوم على امتصاص جهده ، لكنها عاصمة تتسابق لتبعد عن اسس الفضيلة والجمال . فكلما نمت نرى في نموها زيادة تكدس للعاهات ، فبناياتها المستجدة لا تحمل في اساسها قاعدة الهندسة الصحيحة والتجميل الذي يستسيغه الذوق ويرتاح اليه النظر : طرقها ضيقة معوجة ، شوارعها مزدحمة قذرة ، جنائنها في عالم الوهم ، مستوى الصحة العامة فيها ضربة عامة على كل صحيح يود سكناها . فهذه اسراب الذباب تعلو اللحوم ، والخضرة ، والفاكهة ،
والحليب وتكتسح المنازل ، وهذه جماعة الجرذان مشت خطوة تقدمية ففقدت الجبن والحياء واخذت ترافق الآدميين في طرقهم ومخادعهم ومكاتبهم . هذه جماعة الناس تتصرف في عرض الشارع كأن الشارع زاوية من زوايا بيتها او منديل اتسعت رحابه للبصق ، ورمي القشور وفضلات الاكل .
بالامس القريب كان قلب العاصمة يضم مئة الف ساكن ، كان خمسة لعشرة بالمئة من هذا العدد يتزحلق يومياً على اقذار الشارع فيكسر ساعداً او رجلاً ، وبالاحرى يفتح رأساً او يفك عنقاً . واليوم وقد جاوز سكان المدينة نصف المليون والوضع باق على ما كان في ذاك الامس وزاد طينته بلة الازدحام : فهل درس كرام العاصمة نسبة الحوادث اليومية التي يقع ضحيتها جماعة الابرياء ؟ هل استرعت ابصارهم اسراب المتسولين ؟ هل ارغموا المحلات التجارية والمعامل الصناعية على ادخال منتفعات ضمن دائرة عملها . هذه دور الاذاعة والنشر تكثر من اللغط في كل باب وتهمل ابواب الفن ، والصحة ، والاجتماع .
فعاصمة ينقصها جمال الفن ، ونعمة الصحة وشعاع الفضيلة ، تضحي باطرافها لتغذي في قلبها سوس الانانية والمصلحة الفردية وعدم الشعور بالمسؤولية ، مصيرها عجيب غريب ما دامت في اتجاهها نحو مستقبل الكمية عوض النوع ، وما دام بخورها يرتفع امام مذابح القوة والسطحية العمياء .
آن لك ايتها العاصمة ان تتمخضي بهذه اليقظة العنيفة فتدخلي الى قلبك مقياس القيم وتطعمي منها ذاتك وتزرعي من صحيح غرسها .

