أقامت وزارة التربية اللبنانية معرضاً للفنانين اللبنانيين منذ داود القرم حتى الوقت الحاضر. وقد افتتح المعرض في ١٥ أبريل، صاحب الفخامة رئيس الجمهورية الشيخ بشاره الخوري بحضور دولة رئيس مجلس الوزراء السيد رياض الصلح ومعالي وزير التربية الدكتور الياس الخوري، ونخبة راقية من علية القوم.
وقد انتدبت «صوت المرأة» الفنان الأستاذ عبد الرحمن اللبان لمشاهدة هذا المعرض الرائع وكتابة النقد الذي يطالعه القارئ، فيما يلي:
إن إدارة التحرير تحتفظ برأيها الخاص فيما تناوله قلم الأستاذ لبان، تاركة الحكم للقارئ.
●
«الغرفة المليئة باللوحات غرفة مليئة بالعواطف والأفكار». أجل؛ والجدار الخالي أشبه ما يكون بالرجل الأبله، ولست أدري لأي سبب تُبقي عليه المرأة العاقلة!
واللوحة في الغرب قسم من المنزل لا يتم إثاثه بدونها، ولا تهدأ أعصاب صاحبته إلا بعد أن تراها في مكانها اللائق. وقليلات من العربيات اللواتي يزعجن أنفسهن بها. وأكثر النساء عندنا ترغب، دون شك في تزيين الجدران والغرف، إلا أنهن لا يتريثن في اختيار الزينة فتراهن يستعملن أشياء تافهة بحد ذاتها - كصورة قديمة لجدة قديمة، أو رسم فوتوغرافي لبلد لا يعرفن عنه شيئاً حتى ولا اسمه، أو صورة من الصور التي انتشرت كثيراً في أيام الحرب الأخيرة من المؤسف حقاً أن يراها المرء على جدران «المواطنين الأحرار!»
وفي لبنان اليوم معرض لبعض الفنانين اللبنانيين افتتحته وزارة التربية الوطنية والفنون الجميلة برعاية الرئيس الأول، وفي هذا المعرض كثير من اللوحات لفنانين عاشوا بيننا ثم توفاهم الله، ولآخرين لا يزالون يناضلون القدر وينازعون المجتمع حق البقاء. فهم منسيون إلا من فئة قليلة من الأصدقاء وبعض الأجانب فحسب، وهم مهملون من الحكومة، أقول هذا بالرغم من هذا المعرض الذي أقامته الحكومة نفسها، مهملون منها لأنها لم تنشئ حتى الآن داراً خاصة للتصوير والنحت تختار لها في كل عام خير اللوحات والتماثيل التي يعرضها فنانو لبنان بأجمعهم، وبعض اللوحات التي تستطيع شراءها من معارض الفنانين في الأقطار العربية خاصة وفي العالم عامة - ولا يعترض أحد على الناحية المالية لأننا نعرف جيداً إلى أين تذهب أموال الدولة!...
وهم مهملون أيضاً من المرأة نفسها - المرأة التي هي فيما اعتقد أول من تقع عليه تبعة الجمود الفني، فهي ملهمة الفنانين الأولى، وأهم، وهي هي
منقذتهم من نضال الحياة ومن تنازع البقاء، فإذا لم تشرف المرأة على انتقاء اللوحات تقدمها لزوجها وأولادها، وتزين بها دارها، وتثقف بها كل من رافقها وجالسها، فمن يفعل ذلك يا ترى؟
إنني أتساءل متعجباً، أحقيقة هي أن تكون باقة الزهر الضخمة خير من اللوحة الفنية هدية تُهدى في أية مناسبة كانت؟ أتقبل المرأة قطعة من الحرير بعاطفة وشعور أعظم وأجل من تقبلها لوحة فنية ملونة إذا ما أهديت إليها؟ إذا كانت الحقيقة كذلك، فأنا أول من يؤمن بأن النهضة النسائية في البلاد العربية، وفي لبنان بوجه خاص، لا تزال مفقودة، وأن كل هذا اللغط المثار حول الموضوع كلام في كلام في كلام، وإن ذوق المرأة عندنا، وشعورها، لا يزالان كما كنا في جاهليتها، وثقافتها بعيدة كل البعد عن أول درجة من درجات الرقي الاجتماعي الثقافي.
الكتاب واللوحة والموسيقى - ثلاث ضروريات لن يستطيع المرء أن يحيا بدونها محافظاً على إنسانيته، ولن يقوى على أي استقلال كان أن فقدها، ولن يعرف الرقي بغيرها - هي عينها الخير والحرية والجمال.
■
«إننا لنفقد حقيقة فن التصوير وغايته إذا توقعنا منه نقلاً تاماً للأشياء بحذافيرها، إذ إذا نحن اتخذناه سجلاً لمعلومات إخبارية ليس إلا... فالذي نريده من عمل فني هو أن يظهر لنا الصفات المميزة المهمة في الأشياء، والتي تستطيع أن تثير فينا عاطفة فنية خالصة». هكذا يقول «ألبرت بارنز» في كتابه الذي يدرس في متحف اللوفر. وهي خير كلمة تقولها قبل أن نبدأ بالحديث عن الفنانين اللبنانيين ومعرضهم.
إذا بدأنا بالفنانين الأموات، وجدنا لوحاتهم تمثل فناً أكل الدهر