يحاولون التحرر من الماضي والتخلص من سلطان الفنانين المتفرضين. فنجد في لوحاتهم اثر الفنانين «الانطباعيين» «وما بعد الانطباعيين» امثال «مانه»، و«مونه»، و«سيزان». ولكنه اثر ضئيل خفت معالمه لامتزاجه بالمدارس الاخرى.
ولا اجد بداً من البدء بفروخ لانه في الواقع أكبر الفنانين اللبنانيين سناً وحلقة الوصل بين هؤلاء وأولئك الذين رحلوا. وهي حلقة ضرورية، بلا ريب، لكل حركة فنية موفقة، يرجى لها الدوام والتطور.
هو أكثر الاحياء محافظة على دقة الرسم واحكامه ولو اضطره ذلك الى التضحية بالالوان. ولكنه قوي في تعبيره النفساني الى حد، دقيق في تصوير الاشخاص، وخاصة النماذج الشعبية التي لا تحدّ قط عن نضالها الاجتماعي في سبيل الحياة؛ وهي نماذج يشفق عليها فروخ ويحبها.
ويحتاج فروخ الى عمق العاطفة في اختياره للالوان وتنسيقها، وخصوصاً في بعض مناظره الطبيعية، ويحقق حين يحاول اخراج موضوع عاطفي دقيق بالسهولة التي يخرج بها بقية لوحاته. «معلمي» مثلاً (رقم ٨٦) موضوع دقيق جداً، معقد، من الصعب على الانسان ان يخرجه اخراجاً ناجحاً، واعتقد ان فروخ اخفق في محاولته هذه.
ولكن دون شك توفق كل التوفيق في صوره لرؤوس الاشخاص امثال «بدوي» (رقم ٩٥) و«استاذي» (رقم ٨٣) و«المعلم متري» (رقم ٨٧) وغيرها. وله صورة بالالوان المائية للشاعر احمد الصافي النجفي
(رقم ١٠٣) محكمة التمييز صادقة في روايتها لحياة ذلك المتشرف الناقم المتشائم ونفسيته. الا ان الواضحا ضعيفة عادية.
ان فروخ واقعي محلي بمواضيعه، مخلص كل الاخلاص لواقعيته هذه «ومحليته».
اما الدويهي فمغرم بالالوان البراقة الزاهية ينثرها في لوحاته نثراً فينجح حيناً ويحقق حيناً. ومن اللوحات الناجحة عنده «حول النار» (رقم ٧٣) حيث الالوان متناسقة تناسقاً تاماً والاخراج بسيط معبر كل التعبير عن شعور الفنان نحو هذين المتحدثين الاعتياديين - و«قروية تحبك الصوف» (رقم ٥٢) و«عين سير» (رقم ٦٧) و«صبية» (رقم ٥٥) و«داخل البيت اللبناني» (رقم ٥٤).
ويتأثر هذا الفنان بتلاعب الانوار والظلال تلاعباً مرحاً اشبه شيء بروح طفل بريء يلهو ضاحكاً. واللوحة رقم (٥٢) تمتاز بوحدة الموضوع وبساطته (وهي خاصة من خواص الدويهي المميزة)، وبمحاولة الفنان ان ينقل لنا شعوره الرقيق الصادق الذي يحسه حيال هذه الانوار المتناثرة على اللوحة بكاملها وتلك الظلال الشفافة الخفيفة التي تتسلل هنا وهناك فتخلق جواً من التوازن ترتاح له الاعصاب وتطرب به الانفس.
ولكن الدويهي اخفق في بعض مواضيعه امثال اللوحات التي تمثل الارز في الثلج، وقليل غيرها. وكأنني بالدويهي يحاول احياناً إرضاء عامة الجمهور، فيطربه، وهو بذلك يخسر الكثير من فنه وقوته اذ تبدو ألوانه مصانعة.

