

تنحصر اهمية الهواء في اذهان الكثيرين في كونه لازماً للحياة لانه ضروري للتنفس. لكننا عندما نحصر همنا في هذه الناحية الهامة انما نكون في الحقيقة نفكر بغاز الاوكسجين الموجود في الهواء، ناسين غازاً آخر له اهميته الكبرى، وهو غاز الازوت او النتروجين، والذي يؤلف اكثر من ٧٥ بالمائة من وزن الهواء، في حين ان الاوكسجين يؤلف فقط حوالي ٢٣ بالمائة من هذا الوزن.
اما الاثنين بالمائة الباقين فيتألفان من الغازات النادرة كغاز الارغون والنيون والهيدروجين وغاز الكربونيك.
والنيتروجين بحد ذاته عنصر كيمياوي قليل الفاعلية بطيئها وهو في الهواء يخفف من حدة الاوكسجين، ذلك لان الاوكسجين النقي الصرف غاز شديد الوطأة على انسجة الرئتين. لكن النتروجين ذو اهمية عظيمة جداً عندما يدخل مع عناصر اخرى في تفاعلات كيميائية تنتج عنها مركبات لاغنى للحيوان او النبات عنها. فالبروتينات التي تتألف منها جميع الخلايا في جسم الحيوان والنبات هي مركبات عضوية ليس بالامكان وجودها اذا لم تحتو على عنصر النتروجين. فمركبات النتروجين اذن هي ذات اهمية اساسية في حياتنا العضوية وانه لمن حسن الحظ ان الهواء الذي نتنفسه معين لا ينضب لهذا العنصر الهام.
وسأحاول في هذا المقال ان اشرح كيف يتحول هذا الغاز القليل الفاعلية الى مركبات نافعة.
١ - البكتيريا المثبتة للنتروجين
بكلمة «تثبيت النتروجين» اعني تحويل الغاز الى مركبات كيميائية ثابتة صالحة للاستعمال.
وفي الارض يوجد نوع من البكتيريا له هذه القدرة العجيبة على اخذ النتروجين من الهواء وجعله يتفاعل بطريقة غامضة لا نعرفها بالضبط، مع العناصر الموجودة في التراب كالبوتاسيوم والاوكسجين فينتج عن هذا التفاعل المركب المعروف باسم نيترات
البوتاسيوم (Nitrate de Potasse) وهو مركب يستعمله النبات للتغذية. وتوجد هذه البكتيريات على جذور النباتات الخضرية كالفاصوليا والبازيلّ والفول. وعندما تؤدي هذه البكتيريات وظيفتها تمتص جذور النبات هذه المركبات الكيميائية المغذية اللازمة لنموها. لذلك عندما نأكل هذه الخضراوات او اللحم (الذي يأتي من حيوانات تأكل النبات وتقتات به) يجب ان نتذكر ان المصدر الاساسي لغذائنا في هذه الحالة هو النتروجين الموجود في الهواء.
هذا عمل الطبيعة فلننظر الآن الى عمل الانسان.
٢ - مركبات النتروجين الاصطناعية
يساهم العلم مساهمة فعالة في حقل الزراعة لانه يمكننا من تحضير الاسمدة الكيميائية التي تجعل هذه الناحية المهمة من
الزراعة تقوم على اساس علمي تجريبي صحيح. ومن اهم الاسمدة الكيميائية هي النيترات، اي مركبات النتروجين مع الاوكسجين وعناصر اخرى كالصوديوم والبوتاسيوم والكالسيوم. وقد كان المصدر الوحيد لهذه المركبات المهمة دولة «شيلي» في جنوب اميركا. لكن الكيمياء الحديثة قد استطاعت ان تستعيض عن نيترات الشيلي بتحويل نيتروجين الهواء الى نيترات كما سيأتي:
تؤخذ كمية مناسبة من غاز الهيدروجين وتحرق في غرفة كبيرة تحتوي على الهواء فينتج عن هذا الاحتراق ان الهيدروجين يتحد مع اوكسجين الهواء فيركبان الماء (لان الماء يتركب من عنصري الهيدروجين والاوكسجين) فبهذه الطريقة يُعزل الاوكسجين ويبقى النتروجين فقط. وعندئذٍ يمزج هذا الغاز مع كمية اخرى من الهيدروجين بنسبة واحد نيتروجين الى ثلاثة هيدروجين. ثم يوضع المزيج في اسطوانات فولاذية قوية ترتفع الحرارة فيها الى حوالي ٤٧٥ درجة سنتغراد ويكون الضغط فيها حوالي طن ونصف لكل سنتمتر مربع اي ١٥٠٠ مرة اكثر من الضغط الجوي الاعتيادي (الذي يبلغ حوالي ١٠٣٣ جرام للسنتمتر المربع).
وينتج عن هذه العملية ان يتحد الغازان فيتركب من هذا الاتحاد الغاز المعروف بغاز الامونياك (Ammoniaque).
وبعد الحصول على هذا الغاز تجري عليه عملية ثانية فيمزج هذه المرة مع الهواء ثم يدفع الجميع خلال شبكة دقيقة حامية من البلاتين فيتحد اوكسجين الهواء مع الامونياك ويتركب غاز جديد اذا اذيب في الماء اعطى الحامض المعروف بحامض النيتريك او الازوتيك (Acide Nitrique ou Azotique)
وحامض النيتريك هذا هو الاساس الذي تُستمَد منه كل انواع النيترات