وانهالت عليها الأسئلة مدراراً «أين كنت؟ ... مع من كنت؟ لم أبطأت؟ لمَ لم تخبرينا حين ذهبت؟» فأجابت أخواتها ببساطة يمازجها زهو الظفر «كنت في الجبل المقدس. رآني اله الحب فأحبني وحملني على جناحيه إلى النعيم...»
- «أهو جميل يا صغيرتي؟»
- «أشعر أن له جمال الآلهة. بل هو أجمل اله. فهو اله الحب! غير أني لم أره فقد حرم عليّ رؤيته بالنور.»
- «يا عجباً! أينهاك عن رؤيته وهو جميل؟ تباً لك من ساذجة! وهل امتثلت لأوامره الجائرة الخرقاء؟ لماذا يمنعك عن رؤيته أن لم يكن فيه ما يخشى أن تقع عينك عليه. إنه مسخ مشوه! بل غول مرعب فظيع! إني أخشى أن يفتك بك يوماً ما. حذار يا أختاه ... فأنت إذا ما رجعت إليه، فخذي معك مدية وسراجاً، حتى إذا ما غفا أضيئي السراج واطعني منه مقتلاً! اقتليه وتحرري من نيره.»
وأيقنت الأخت الكبرى أن أختها الصغرى سايكي قد نالت حظوة في عيني ايروس اله الحب وأن منه ينبثق جمال الكون ووجهه النابض المثمر، وأن أختها أسعد من في الوجود. ولكن الغيرة الممزوجة بالحسد أبت عليها أن ينعم غيرها بما حرمت منه فأملت عليها ما قالته وجعلتها تدس لأختها السم بالدسم. وما زالت بها حتى أقنعتها، فحملت سايكي بين طيات ثوبها مدية قاطعة وسراجاً صغيراً.
وحملها ايروس وعاد بها وهو لا يدري ما أضمرت له من غدر وشر.
هدأ الكون وضمّها السرير فجمع بقربها هانئاً مستسلماً. ها هي تنهض وتضيء السراج وتستل المدية وتهم بطعنه ... فإذا ضوء السراج يقع على وجه ايروس الفاتن الجميل، فترتعش سايكي وتهز كيانها رعشة ارتجفت لها يدها ... وسقط من السراج قطرة زيت حامية على زند ايروس فاستيقظ وفتح عينيه... ها
حبيبته والمدية بيمينها والمصباح بشمالها... لقد خيّبت ظنه. يا لها من غادرة! لقد أرادت به شراً!
ونهض مفجوعاً وأطلق جناحيه للريح إلى حيث لا تدري. وتشبثت بوشاحه فخلعه لها وأفلت منها فارقت شلواً يزقّه الحزن والندم، تبكي حبها الضائع وأملها المنشود.
وسمعت أفروديت بمصيرها، وبما أصبحت عليه من الذبول والهزال. فهزأت بها وكوتها بلوادع السخرية. «فهي لم تعد تليق بحب اله. لقد ذوت نضرتها ونضب رواؤها وذبل جمالها». وما زالت بها أفروديت حتى حطمت كبرياءها وكسرت قلبها المدمّى بهجر الحبيب المعبود.
وشاءت أن تمكر بغريمتها فنصحتها أن تهبط هيديس وتجلب منه قارورة طيب لتعيد بها جمالها الذابل إلى روائه ونضرته.
ونزلت سايكي إلى هيديس وتضرعت
إلى الملك القاتم العاتي أن يمنحها سؤلها. فرقّ لها وأعطاها القارورة فضمتها وحرصت عليها إذ هي شعاع أمل في ديجورها المفجع.
وأتت روضة غناء ينساب فيها غدير كذوب اللجين. وجلست بالقرب منه تستريح. ولمحت انعكاسها على صفحة الماء البلورية، فأخرجت القارورة وطلت وجهها وجيدها فإذا بها تغرق في سبات عميق على ضفة الغدير ردحاً من دهر ...
أقمر نيسان وتفتحت اكمام الزهور تبسم لطل الربيع، وعاد الحب لِلرَفّ في أجواء الفضاء، ومر إلهه بالروض، فرأى حبيبة الأمس تغط في نومها وابتسامة الرضى على شفتيها، فذكر الماضي وحن اليه، وعطف عليها فعفا. وخفض الحب كبرياء جناحيه وهبط اليها، وألوى بصدره عليها وطبع على ثغرها قبلة أيقظتها من سباتها العميق... ثم حملها على جناحيه إلى الجبل المقدس لينعما هناك إلى الأبد...

