إن أهم ما يتميز به العصر الحاضر حركة المرأة المباركة في شتى الميادين. وأهم ما تتمخض عنه هذه الحركة، الرغبة في إصابة الهدف السياسي. فلقد رأينا المرأة تشارك الرجل في حربه وسلمه. ورأيناها واقفة تناضل عن حقوقها في منظمة الأمم المتحدة لتنالها كاملة غير منقوصة.
وإن هذه المؤسسة العالمية العظمى التي تعمل لخير العالم وصلاحه، في تهيئة سبل الرقي الإنساني، والتي عقدت العزم على خلاص الأجيال من الأعاصير التي تجتاح الإنسانية، قد شرعت المساواة في الحقوق بين مختلف الطبقات والأجناس والأديان ذكوراً وإناثاً. فلا مسوّغ إذاً للبنان أن يتخلف عن أية حركة إصلاحية تهدف إلى التقدم والمدنية والعمران، بل يجب في نهضته أن تراعي الكفاءة، والكفاءة الشخصية فقط في المرافق الحيوية وما تتطلبه من أعمال.
أما فيما يتعلق بدستور لبنان وشرائعه الدينية والتقليدية فليس ثمة ما يمنع من مشاركة المرأة للرجل في الميدان السياسي العملي. فالمادة السابعة من الدستور تقرر أن : «كل اللبنانيين سواء لدى القانون وهم يتمتعون بالحقوق المدنية والسياسية ويتحملون الفرائض والواجبات العامة دون ما فرق بينهم» فلا مبرّر إذاً لإهمال المرأة ومنعها من حق الانتخاب والعمل النيابي.
إن الكثيرين من المعارضين يظنون أن السياسة تفسد المرأة كما أفسدت كثيراً من النواحي العالمية، وأنها حركة ترمي إلى خراب الأسرة وترمي إلى تحطيم سعادتها. ولكننا نحن النساء أشد علماً بمواطن الضعف في كياننا من الرجل، فالمرأة خبرت الداء في الأسر، وهي التي ستفتح الخير للعالم وتضمد جراحه وتخفف من بؤسه وتغالب شرور الإنسانية وحروبها. وهي تهدف بتعاونها مع الرجل إلى تعمير ما تهدم
وإصلاح ما فسد، إن في الأسرة أم خارجها. ولسنا نريد لكل امرأة أن تهجر المنزل وتنزل إلى ميدان السياسة، بل نريدها مساوية للرجل مشاركة له في المسؤوليات وفدائح الأمور لا يصدّها قانون أو تشريع عن اقتحام أيّ مسلك مشروع فيه العمل الإصلاحي لأسرتها خاصة ولبلادها ومواطنيها عامة.
إن رسالة المرأة في الوجود لأسمى من أن تقتصر على دائرة ضيّقة محدودة ليس وراءها إلا الخمول لقواها المعنوية والفكرية. إن العالم لأجدر به أن يستفيد من تلك القوى الصالحة التي أوجدها الله في قلب كل إنسان. فإذا ما ماتت تلك القوى خسرت الإنسانية ما يمكن أن تفيد منها من خير وبركة وصلاح.
وإن معظم الشعوب قد تيقظت وفهمت حقائق الوجود، فتشارك الرجل مع المرأة في مختلف السبل متساويين في الحقوق والواجبات. ولكن تيار التقاليد
الموروثة من عصور الاستبداد تحت المرأة حتى المتعلمة في بلادنا وقذفت بالرجل ـ ولو جاهلاً غريراً ـ إلى ميدان العمل الوطني. وكم منهم من أفسد نفسه وأفسد بلاده. وكم من امرأة صالحة مصلحة ناب عنها رجل أناني لا يرمي من عمله إلا إلى غاية ذاتية ومنفعة شخصية.
هذا ما نريد أن يتبدل في لبنان فيزول طابع العبودية عن كيانه وتمحى آية الاسترقاق من تفكيره كيلا يتأخر في نهضته عن بلاد يسير فيها الرجل مع المرأة جنباً إلى جنب في مختلف الأعمال الاجتماعية والسياسية.
إننا لا نريد طفرة ولا نرغب في مناوأة أو عراك لا يكون فيها الخير للوطن. فصيانة الأسرة أول ما نهدف إليه لأنه متى صلحت الأسر صلح الوطن بأجمعه.
وإذا عوملت المرأة في بلد كما يعامل القاصر والمعتوه، كان كيان الأمة جله أو نصفه يتطلب الوصاية والحماية. أو قل كانت معظم النواحي في حياتها العلمية والعمرانية والاجتماعية والسياسية، تتطلب السيطرة والانزواء والتواكل.
فنرجو من بيدهم زمام الأمر أن يسرعوا إلى رفع شأن المرأة في لبنان وأن يشركوها مع الرجل في مسؤوليات البلاد العظمى فيطبقون المادة السابعة من الدستور اللبناني ويشركونها مع الرجل في الانتخاب خصوصاً وأن الانتخاب النيابي القادم هو أول انتخاب بعد ما فازت البلاد باستقلالها. فيجب أن تزال من شروطه كل ما يتنافى مع مبادئ المساواة ويتعارض مع كرامة الإنسان.
وإلا فحركة النهضة لا خير فيها. ولا بد لسيرها من الإبطاء في سبل التقدم والإصلاح. ونحن نريد للبلاد نهضة شاملة ووثبة كريمة يوآزرها أبناء البلاد جميعاً من رجال ونساء لنشكل كياناً وطنياً ثابت الأركان متين الأسس.
